وأبيك السُّؤدد.
وعن عَطِاءٍ قَالَ: لو ائتمنت عَلَى بَيْتِ مَالٍ لكنت أمينًا , ولا آمن نَفْسِي على أَمَةٍ شَوْهاء.
قُلت -أي الذَّهبي: صدق رحمه الله ففي الحديث؛ "أَلَا لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ فَإِنَّ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ.
وعن ابن جريج قَالَ: لَزِمت عطاء ثماني عشرة سنة , وكان بعد ما كبر وضعف , يقوم إلى الصَّلاة فيقرأ مئتي آية من البقرة , وهو قائم لا يزول منه شيء ولا يتحرك.
قَالَ عمر بن ذر: ما رأيت مثل عطاء بن أبي رباح , وما رأيت عليه قَمِيصًا قط , ولا رأيت عليه ثوبًا يساوي خمسة دراهم.
الأسود بن يزيد:
كان مجتهدًا في العبادة , يصوم حتى يخضر جسده ويصفر , وكان علقمة بن قيس يقول له:لم تعذِّب هذا الجسد؟! فيقول: راحة هذا الجسد أريد , فلمّا احتضر بكى , فقيل له: ما هذا الجزع؟ قَالَ: مَالِي لا أجزع؟! ومن أحق بذلك مني؟! والله لو أتيت بالمغفرة من الله عز وجل؛ لهمني الحياء منه مما قد صنعته , إن الرجل ليكون بينه وبين الرَّجل الذنب الصغير , فيعفو عنه؛ فلا يزال مستحيًا منه. ولقد حجَّ الأسود ثمانين حجة.
طاوس بن كيسان:
الفقيه إمام أهل اليمن النُّجباء , طاوس الزُّهاد والعلماء.
عن داود بن إبراهيم , أن الأسد حبس النَّاس ليلة في طريق الحج , فدق النَّاس بعضهم بعضًا , فلمّا كان في السّحر ذهب عنهم؛ فنزل النَّاس يمينًا وشمالا , وألقى النَّاسُ أنفسهم فناموا , وقام طاووس يُصلِّي , فقال رجل لطاووس: ألا تنام فإنك نصبت الليلة؟ قَالَ طَاووس: وهَلْ يَنَامُ السَّحر.
وكان لطاووس طريقان إلى المسجد , طريق في السُّوق , وطريق آخر , فكان يأخذ في هذا يومًا وفي هذا يومًا , فإذا مرَّ في طريق السُّوق فرأى تلك الرؤس المشوية؛ لم ينعس تلك الليلة.
وكان طاوس يجلس في بيته , فقيل له في ذلك فقال: حيف الأئمة وفساد النَّاس.
قَالَ مجاهد لطاوس: يا أبا عبد الرحمن! رأيتك تصلِّي في الكعبة , والنبي عليه السلام على بابها , يقول لك: اكشف قناعك , وبين قراءتك , قَالَ: اسكت لا يسمعن هذا منك أحد , حتى تخيل اليه أنه انبسط من الحديث.
أتى طاوس رجلا في السحر , فقالوا: هو نائم , قَالَ: ما كنت أرى أن أحدا ينام في السحر.
قَالَ رجل لطاوس: ادع الله لنا , قَالَ: ما أجد في قلبي خشية فأدعو لك.
توفي طاوس بالمزدلفة أو بمنى , فلما حمل أخذ عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب بقائمة السَّرير , فما زايله حتى بلغ القبر.
محمد بن واسع:
الإمام العامل , والخاضع الخامل , أدمى الحزن قلبه , ما قعد ولا قام مقام سوء حتى لقي ربه.
قَالَ سُليمان التيمي: ما أحد أحب أن ألقى الله بمثل صحيفته , مثل محمد بن واسع.
وعن ابن واسع: إن الرَّجل ليبكي عشرين سنة , وامرأته معه لا تعلم.
وقال جعفر بن سليمان: كنت إذا وجدت من قلبي قسوة؛ غدوت فنظرت إلى وجه محمد بن واسع , كان كأنه ثكلى.
قَالَ حماد بن زيد: قَالَ رجل لمحمد بن واسع: أوصني , قَالَ: أُوصِيك أن تكون ملكًا في الدنيا والآخرة , قَالَ: كيف؟ قَالَ: ازهد في الدُّنيا.
وعنه قَالَ: طُوبى لمن وجد عشاء ولم يجد غداء , ووجد غداء ولم يجد عشاء , والله عنه راضٍ.
قَالَ ابن شوذب: قَسَم أمير البصرة على قرائها , فبعث إلى مالك بن دينار؛ فأخذ , فقال له ابن واسع: قبلت جوائزهم؟ قَالَ: سَلْ جُلَسَائي , قالوا: يا أبا بكر اشتر بها رقيقًا فأعتقهم , قَالَ: أنشدك الله أقلبك السّاعة على ما كان عليه قبل أن يجيزك؟! قَالَ: اللهم لا , قَالَ: أَيُّ شيء دخل عليك؟ فقال مالك لجلسائه: إنما مالك حمار , إنما يعبد الله محمد بن واسع.
قَالَ ابن عيينة: قَالَ ابن واسع: لو كان للذنوب ريح ما جلس إليَّ أحد.
قَالَ الاصمعي: لما صاف قتيبة بن مسلم للترك , وهاله أمرهم , سأل عن محمد بن واسع , فقيل: هو ذاك في الميمنة , جامح على قوسه , يُبصبص بأصبعه نحو السَّماء , قَالَ: تلك الإصبع أحب إلي من مائة ألف سيفٍ شهير , وشابٍ طرير.
قَالَ ابن واسع وهو في الموت: يا إخوتاه تدرون أين يُذهب بي؟ والله إلى النّار , أو يعفو الله عني.
وقال: يكفي من الدُّعاء مع الورع , يسير العمل.
وعن محمد بن واسع , وقيل له: كيف أصبحت؟ قَالَ: قَرِيبًا أجلي , بعيدًا أملي , سيئًا عملي.
وقيل اشتكى رجل من ولد محمد بن واسع إليه , فقال لولده: تستطيل على النَّاس , وأمك اشتريتها بأربع مائة درهم , وأبوك فلا كثر الله في المسلمين مثله , وقيل: إنه قَالَ لِرَجُلٍ: هَلْ أَبْكَاكَ قَط سَابِق عِلْم الله فِيك؟!
وعن أبي الطيب موسى بن يسار , قَالَ: صحبت محمد بن واسع إلى مكة , فكان يصلي الليل أجمعه , يصلي في المحمل جالسا , ويومئ
هَرِم بن حيان:
كان دائم الحزن , سريع الدَّمع , عظيم الخوف من الله سبحانه وتعالى.
بات هرم بن حيان العبدى عند حممة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم , قَالَ: فبات حممة ليلته يبكي كلها حتى أصبح , فلما أصبح , قَالَ لَهُ هرم: يا حممة! ما أبكاك؟ قَالَ: ذكرت ليلة صبيحتها تبعثر القبور , فتخرج من فيها , وتناثر نجوم السَّماء؛ فأبكاني ذلك , وكانا يصطحبان أحيانًا بالنَّهار , فيأتيان سوق الريحان , فيسألان الله تَعَالَى الجنة , ويَدْعُوان , ثم يأتيان الحدّادين , فيتعوذان من النار , ثم يفترقان إلى منازلهما.
كان هرم بن حيان يخرج في بعض الليل , وينادي بأعلى صوته عجبت من الجنة , كيف ينام طالبها؟ وعجبت من النار , كيف ينام هاربها؟ ثم قرأ: {أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ} [سورة الأعراف: 97]
عن مالك بن دينار , قَالَ: اسْتُعْمِل هرم بن حيان , فظن أن قومه سيأتونه , فأمر بنار فأوقدت بينه وبين من يأتيه من القوم , فجاءه قومه يُسَلِّمون عليه من بعيد , فقال: مرحبًا بقومي , ادنوا , قالوا: والله ما نستطيع أن ندنو منك , لقد حالت النار بيننا وبينك , قَالَ: وأنتم تريدون أن تَلْقَوْني في نار أعظم منها؛ في نار جهنم , قَالَ: فَرَجَعُوا.
يتبع ان شاء الله ...
¥