قَالَ إبراهيم التيمي: حدثني من صحب ربيع بن خُثَيْم عشرين سنة , أنه ما تكلم بكلام منذ عشرين سنة , إلا بكلمة تصعد , وما سمع منه كلمة عتاب.

وكان الرَّبيع بعدما سَقَطَ شِقه؛ يهادي بين رجلين إلى مسجد قومه , وكان أصحاب عبد الله يقولون: يا أبا يزيد , لقد رخص الله لك , لو صليت في بيتك؟! فيقول: إنه كما تقولون , ولكني سمعته ينادي حي على الفلاح , فمن سمع منكم ينادي حي على الفلاح؛ فليجبه , ولو زحفًا , ولو حبوا.

وكانت أم الربيع بن خُثَيْم تنادي ابنها الربيع , فتقول: يا بني! يا ربيع! ألا تنام؟! فيقول: يا أمّاه من جن عليه الليل وهو يخاف البيات؛ حق له أن لا ينام , فلمّا بلغ ورأت ما يلقى من البكاء , والسَّهر نادته , فقالت: يا بني لعلك قتلت قتيلًا؟ فقال: نعم يا والدة , قد قتلت قتيلًا , قالت: ومن هذا القتيل يا بني حتى يُتحمل على أهله فيعفون؟ والله لو يعلمون ما تلقى من البكاء , والسَّهر بعد؛ لقد رحموك , فيقول: يا والده! هي نفسي.

وقالت ابنة الربيع للربيع: يا أبت لم لا تنام والناس ينامون؟ فقال: إن البيات في النار؛ لا يدع أباك أن ينام.

قيل للربيع ابن خُثَيْم: ألا ندعوا لك طبيبًا؟! قَالَ: أَنْظِروني فتفكر ثم قَالَ: " وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا " قَالَ: فذكر حرصهم على الدُّنيا ورغبتهم , وما كانوا فيها , وقال: قد كانت فيهم أطباء , وكان فيهم مرضى , فلا أرى المداوي بقى , ولا أرى المداوى , وأهلك النّاعت والمنعوت , لا حاجة لي فيه.

عن أبي وائل قَالَ: خرجنا مع عبد الله بن مسعود , ومعنا الرَّبيع بن خُثَيْم , فمررنا على حداد , فقام عبد الله ينظر إلى حديدة في النَّار , فنظر ربيع إليها فتمايل ليسقط , فمضى عبد الله حتى أتينا على أتون على شاطئ الفُرَات؛ فلمّا رأى عبد الله والنار تلتهب في جوفه قرأ هذه الآية {إِذَا رَأَتْهُم من مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (12) وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (13)} [سورة الفرقان: 12 - 13] قَالَ: فصعق الرَّبيع؛ فاحتملناه فجئنا به إلى أهله , قَالَ: ثم رَابطه إلى المغرب فلم يفق , ثم إنه أفاق؛ فرجع عبد الله إلى أهله.

وعن عبد الرحمن بن عجلان قَالَ: بِتُّ عند الرَّبيع بن خُثَيْم ذات ليلة , فقام يُصَلِّي فمر بهذه الآية: {أَمْ حَسِبَ الَّذين اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21)} [سورة الجاثية: 21]

فمكث ليلته حتى أصبح , ما جاوز هذه الآية إلى غيرها ببكاءٍ شديد.

وكان الرَّبيع يقول: أكثروا ذكر هذا الموت الذي لم تذوقوا قبله مثله , ولما احتضر الربيع؛ بكت ابنته , فقال: يا بنية , لم تبكين؟ قولي: يا بشراي أتى الخير.

عطاء بن أبي رباح:

الإمام العلم , فقيه الحرم , مفترش الجنبين لا يعبأ بالألم , الذي دَلَّ عليه ابن عمر لما نزل البيت مستلم.

عن سعيد بن أبي الحسن البصري قَالَ: قَدِمَ ابن عمر مكة , فسألوه. فقال: تجمعون لي المسائل؛ وفيكم عطاء بن أبي رباح.

قَالَ ابن جريج: كان المسجد فِراش عطاء عشرين سنة , وكان من أحسن النَّاس صَلاة.

قَالَ الأصمعي: دخل عطاء بن أبي رباح على عبد الملك , وهو جالس على السَّرير , وحوله الأشراف , وذلك بمكة في وقت حجه في خلافته , فلما بصر به عبد الملك , قام إليه وسلم عليه , وأجلسه معه على السَّرير , وقعد بين يديه , وقال: يا أبا محمد ما حاجتك؟ قَالَ: يا أمير المؤمنين , اتق الله في حرم الله , وحرم رسوله , فتعاهده بالعمارة , واتق الله في أولاد المهاجرين والأنصار , فإنك بهم جلست هذا المجلس , واتق الله في أهل الثغور , فإنهم حصن المسلمين , وتفقد أمور المسلمين , فإنك وحدك المسئول عنهم , واتق الله فيمن على بابك فلا تغفل عنهم , ولا تغلق دونهم بابك , فقال له: أفعل , ثم نهض وقام , فقبض عليه عبد الملك , وقال: يا أبا محمد , إنما سألتنا حوائج غيرك , وقد قضيناها , فما حاجتك؟ قَالَ: ما لي إلى مخلوق حاجة , ثم خرج , فقال عبد الملك: هذا وأبيك الشَّرَف , هذا

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015