فقال له أهل مملكته: إن تركت هذا في بلدك أفسدها عليك؛ فأمره بالرَّحيل فقدم المدينة , وقد قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم , واستخلف أبو بكر , فعقل راحلته على باب المسجد , وقام إلى سارية من سواري المسجد يصلي إليها , فبصره به عمر ابن الخطاب رضي الله تَعَالَى عنه , فأتاه فقال: من أين الرجل؟ قَالَ: مِنْ اليمن , قَالَ: فما فعل عدو الله بصاحبنا الذي حرَّقه بالنّار فلم تضره؟ قَالَ: ذاك عبد الله بن ثوب , قَالَ: نَشدتك بالله أنت هو؟ قَالَ: اللَّهم نعم , قَالَ: فقبل ما بين عينيه , ثم جاء به حتى أجلسه بينه وبين أبي بكر , وقال: الحمد لله الذي لم يمتني من الدنيا حتى أراني في أمة محمد صلى الله عليه وسلم من فعل به كما فعل بإبراهيم خليل الرحمن عليه السلام.
قَالَ الحوطي: قَالَ إِسْمَاعيل: فأنا أدركت قومًا من المدّادين الَّذين مدوا من اليمن , يقولون لقوم من عنس: صاحبكم الذي حرَّق صاحبنا بالنّار فلم تضره.
وربما وصل به الأمر إلى معارضة الخليفة نفسه , فيحلم عليه , ويصبر؛ لعلمه أنه يفعل ذلك حسبةً لله.
عن أبي مسلم الخولاني , أن معاوية بن أبي سفيان خطب النَّاس , وقد حبس العطاء شهرين أو ثلاثة , فقال له أبو مسلم: يا معاوية إن هذا المال ليس بمالك ولا مال أبيك ولا مال أمك , فأشار معاوية إلى النَّاس أن امكثوا , ونزل فاغتسل ثم رجع , فقال: أيها النَّاس إن أبا مسلم ذكر أن هذا المال ليس بمالي ولا بمال أبي ولا أمي وصدق أبو مسلم , إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الغضب من الشَّيطان , والشَّيطان من النار , والماء يطفىء النار , فإذا غضب أحدكم فليغتسل , أغدوا على عطاياكم على بركة الله عز وجل.
صلة ابن أشيم:
كان من العبّاد , والمجاهدين المحتسبين , زوج العالمة العابدة , معاذة العدوية.
قالت معاذة العدوية: ما كان صلة يجيء من مسجد بيته إلى فراشه إلا حبوًا , يقوم حتى يَفْتر في الصَّلاة.
وعن حماد بن زيد العبدي , أن أباه أخبره , قَالَ: خَرَجْنا في غزوةِ إلى كابل , وفي الجيش صلة بن الأشيم , قَالَ: فترك النَّاس عند العتمة ثم اضطجع , فالتمس غفلة النَّاس , حتى إذا قلت هدأت العيون , وثب فدخل غِيضة قريبًا منه , ودخلت في إثره , فتوضأ ثم قام يصلي فافتتح , قَالَ: وجاء أسدٌ حتى دنا منه , فصعدت في شجرة , قَالَ: أفتراه التفت إليه أو عذبه حتى سجد , فقلت: الآن يفترسه , فلا شيء! فجلس ثم سَلَّم , فقال: أيها السَّبع , اطلب الرزق من مكان آخر؛ فَولَّى وإن له زئير , أقول: تصدع الجبال منه , فما زال كذلك يصلي حتى إذا كان عند الصبح , جلس فحمد الله بمحامد لم أسمع بمثلها إلا ما شاء الله , ثم قَالَ: اللهم إني أسألك أن تجرني من النار , أو مثلي يجترئ أن يسألك الجنة , ثم رجع فأصبح , كأنه بات على الحشايا , وأصبحت وبي من الفترة شيء الله به عليم.
وقد ضرب أعظم المثل في الصبر , والاحتساب رحمه الله.
عن ثابت البناني قَالَ: إِنَّ صِلَة بن أشيم كان في مغزى له ومعه ابن له , فقال: أي بني تقدم فقاتل حتى أحتسبك , فحمل فقاتل حتى قتل , فاجتمعت النِّساء عند امرأته معاذة العدوية , فقالت: مرحبًا إن كنتن جئتن لتهنئنني! فمرحبًا بكن , وإن كنتن جئتن لغير ذلك فارجعن.
يتبع ان شاء الله ...
ـ[أبو سلمان الجزائري]ــــــــ[11 - Nov-2009, صباحاً 12:56]ـ
الربيع بن خُثَيْم:
المخبت الورع , المعترف بذنبه , المفتقر لربه , أحد العبّاد الزهاد.
وكان الربيع بن خُثَيْم: إذا دخل على عبد الله بن مسعود , لم يكن عليه إذن لأحد حتى يفرغ كل واحد من صاحبه , فقال له عبد الله: يا أبا يزيد لو رآك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحبك , وما رأيتك إلا ذكرت المخبتين.
وكان رحمه الله عظيم الصبر , سريع الاحتساب.
خرج الربيع بن خُثَيْم يوما فلما انتهى إلى مسجد قومه , قالوا له: يا ربيع لو قعدت فحدثتنا اليوم , قَالَ: فَقَعَد , فجاء حجر فشجه , فقال: فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف.
وكان الرَّبيع إذا قيل له: كيف أصبحت يا أبا يزيد؟ يقول: أصبحنا ضُعفاء مذنبين , نأكل أرزاقنا , وننتظر آجالنا.
وكان رحمه الله عظيم التأثر , سريع الاعتبار.
¥