قَالَ: نعم , قَالَ: ما أراني إلا سوف أَحدُّك , إنك أقررت بشرب الخمر , وأنك لم تنزع عنها , قَالَ: إيهات! أين يُذهب بك؟ ألم تسمع الله يقول: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمْ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ (226)} [سورة الشعراء: 224 - 226] فقال: أولى لك يا حميد! ما أراك إلا قد أفلت , ويحك يا حميد كان أبوك رجلًا صالحا , وأنت رجل سوء , قَالَ: أصلحك الله وأينا يشبه أباه , كان أبوك رجل سوء , وأنت رجل صالح , قَالَ: إن هؤلاء زعموا أن أباهم توفي وترك مالا عندك , قَالَ: صدقوا وأحضره بختم أبيهم , وقال: أنفقت عليهم من مالي , وهذا مالهم , قَالَ: ما أحد أحق أن يكون هذا عنده منك , فقال: أيعود إلي وقد خرج مني؟!.
وبكى عمر بن عبد العزيز يومًا , فبكت فاطمة , فبكى أهل الدّار ولا يدري هؤلاء ما أبكى هؤلاء , فلما تجلى عنهم العبر , قالت له فاطمة: بأبي أنت يا أمير المؤمنين! مم بكيت؟! قَالَ: ذكرت يا فاطمة مُنصرف القوم من بين يدي الله عز وجل , فريق في الجنة وفريق في السعير , قَالَ: ثم صرخ وغشي عليه.
قالت فاطمة امرأة عمر بن عبد العزيز: إنه قد يكون في النَّاس من هو أكثر صلاة وصيامًا من عمر بن عبد العزيز , وما رأيت أحدا أشد فرقا من ربه منه , كان إذا صلى العشاء قعد في مسجده؛ ثم يرفع يديه فلم يزل يبكي حتى تغلبه عينه , ثم يتنبه فلا يزال يدعو رافعًا يديه يبكي حتى تغلبه عينه , يفعل ذلك ليله أجمع.
قَالَ الذَّهبي: قد كان هذا الرجل حسن الخلق والخلق , كامل العقل حسن السَّمت جيد السِّياسة , حريصًا على العدل بكل ممكن , وافر العلم فقيه النفس ظاهر الذكاء والفهم , أواهًا منيبًا قانتًا لله حنيفًا زاهدًا مع الخلافة , ناطقًا بالحق مع قِلِّة المعين وكثرة الأمراء الظَّلمة الَّذين ملُّوه , وكرهوا محاققته لهم , ونقصه أعطياتهم , وأخذه كثيرًا مما في أيديهم مما أخذوه بغير حق , فما زالوا به حتى سَقوه السُّم , فحصلت له الشَّهادة والسَّعادة , وعد عند أهل العلم من الخلفاء الرّاشدين , والعلماء العاملين.
أبو مسلم الخولاني:
سيد التابعين , وزاهد العصر , أسلم في أيامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ودخل المدينة في خلافة أبي بكر رضي الله عنه , كان عابدًا مجاهدًا , آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر.
عن عطية بن قيس: أن أناسًا من أهل دمشق أتوا أبا مُسلم الخولاني في منزله؛ وكان غازيًا بأرض الرُّوم فوجدوه قد احتفر في فسطاطه حفرة , ووضع في الحفرة نطعًا وأفرغ ماءً فهو يتصلق فيه وهو صائم , فقال له النفر ما يحملك على الصِّيام وأنت مسافر , وقد رَخَّص الله تَعَالَى لك الفطر في السَّفر والغزو , فقال: لو حضر قتال أفطرت؛ وتقويت للقتال , إن الخيل لا تجري الغايات وهي بُدْنى , إنما تجري وهي ضمرات , إن بين أيدينا أيامًا لها نعمل.
وكان رحمه الله يجتهد في العبادة , حتى كان يُكلف نفسه فوق ما تريد.
عن عثمان بن أبي العاتكة قَالَ: كان من أمر أبي مُسْلِم الخولاني أن عَلَّق سوطًا في مسجده , ويقول: أنا أولى بالسَّوط من الدواب , فإذا دخلته فترة مشق ساقه سوطًا أو سوطين , وكان يقول: لو رأيت الجنة عيانًا ما كان عندي مستزاد , ولو رأيت النار عيانًا ما كان عندي مستزاد.
وقد جاء رجلان إلى أبي مسلم فلم يجداه في منزله , فأتيا المسجد فوجداه يركع فانتظراه , فأحصى أحدهما أنه ركع ثلاث مائة ركعة.
وعن سليمان بن يزيد العدوى قَالَ: قَالَ أبو مسلم: يا أم مسلم سوي رحلك؛ فإنه ليس على جهنم معبرة.
وقيل: ألقاه الأسود العنسي الكذاب في النار , فخرج منها ناجيا سالما رحمه الله.
عن شرحبيل الخولاني قَالَ: بينا الأسود العنسي باليمن فأرسل إلى أبي مسلم , فقال له: أتشهد أن محمدًا صلى الله عليه وسلم رسول الله؟ قَالَ: نعم
قَالَ: فتشهد أني رسول الله؟ قَالَ: ما أسمع!
قَالَ: فأمر بنار عظيمة فأُجِّجَت , وطرح فيها أبو مسلم , فلم تضره.
¥