ـ[أبو سلمان الجزائري]ــــــــ[05 - Nov-2009, صباحاً 03:03]ـ

نعود لذكر تراجم أئمتنا الأخيار لنستنير بما ورثوه لنا من شيم وفضائل نعتز بها ونسأل الله أن يوفقنا للعمل بجوهرها

عمر بن عبد العزيز:

أمير المؤمنين كان أوحد أمَّته في الفضل , ونجيب عشيرته في العدل , جمع زهدًا وعفافًا وورعًا وكفافًا , شغله آجل العيش عن عاجله , كان رحمه الله للرعية أمنًا وأمانًا , كان عالِمًا عابدًا مفهمًا حكيمًا.

عن جويرية بن أسماء قَالَ: قَالَ عُمَرُ: إِنَّ نَفْسِي هَذَه تَوّاقة , لم تعط من الدنيا شيئًا إلا تاقت إلى ما هو أفضل منه , فلمّا أُعطيت الخلافة التي لا شيء أفضل منها , تاقت إلى ما هو أفضل منها!! أي - الجنة أفضل من الخلافة.

وكان رحمه الله قد اجتهد بالعبادة حتى أصبح لا يُغالَب عليها.

قَالَ مَنْصُور أبو أمية خادم عمر بن عبد العزيز: رأيت عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وله سَفْط في كوة , مفتاحه في إزاره , فكان يتغفلني , فإذا نظر إلي قد نمت؛ فتح السَّفط فأخرج منه جبية شعر ورداء شعر؛ فصلى فيهما الليل كُلَّه , فإذا نودي بالصبح نزعهما.

وقالت فاطمة امرأة عمر بن عبد العزيز: أنها دخلت عليه فإذا هو في مُصَلّاه يده على خده سائلة دموعه: فقالت: يا أمير المؤمنين أشيء حدث؟! قَالَ: يا فاطمة إني تقلَّدت أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم , فتفكرت في الفقير الجائع والمريض الضَّائع , والعاري المجهود , والمظلوم المقهور , والغريب المأسور , والكبير , وذي العيال في أقطار الأرض , فعلمت أن ربي سيسألني عنهم , وأن خصمهم دونهم محمد صلى الله عليه وسلم , فخشيت ألا تثبت لي حجة عند خصومته! فرحمت نفسي؛ فبكيت.

وكان رحمه الله عفيف النَّفس , أجهد نفسه وضيَّق عليها؛ حتى كان حاله كحال أي رجلٍ من عامة المسلمين.

عن أبي عثمان الثقفي قَالَ: كان لعمر بن عبد العزيز غلام يعمل على بغل له يأتيه بدرهم كُلَّ يومٍ , فجاءه يومًا بدرهم ونصف , فقال: ما بدالك؟ فقال: نفقت السُّوق , قَالَ: لا ولكنك أتعبت البغل , أرحه ثلاثة أيام.

صلَّى عمر بن عبد العزيز بالنَّاسِ الجمعة؛ ثم جلس وعليه قميص مرقوع الجيب من بين يديه ومن خلفه , فقال له رجل: يا أمير المؤمنين إِنَّ الله قد أعطاك؛ فلو لبست , فقال: أفضل القصد عند الجدة , وأفضل العفو عند المقدرة.

وعن عمرو بن مهاجر قَالَ: اشْتَهَى عمر تفاحًا , فقال: لو أن عندنا شيئا من تفاح , فإنه طيب , فقام رجل من أهله فأهدى إليه تفاحًا , فلمّا جاء به الرَّسول , قَالَ: ما أطيبه وأطيب ريحه وأحسنه , ارفع يا غلام واقرأ على فلان السَّلام , وقل له: إن هديتك قد وقعت عندنا بحيث تحب , قَالَ عمرو بن مهاجر: فقلت له يا أمير المؤمنين: ابن عمك رجل من أهل بيتك , وقد بلغك أن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يأكل الهدية , ولا يأكل الصدقة , قَالَ: إِنَّ الهدية كانت للنبي صلى الله عليه وسلم هدية , وهي لنا رِشْوَة.

وكان رحمه الله متواضعًا لم تغيره الخلافة , بل زادته حسنًا , ودينًا , وتواضعًا.

فعن رجاء بن حيوة قَالَ: سمرت ليلة عند عمر بن عبد العزيز فاعتل السِّراج , فذهبت أقوم أصلحه؛ فأمرني عمر بالجلوس ثم قام فأصلحه ثم عاد فجلس , فقال: قمت وأنا عمر بن عبد العزيز , وجلست وأنا عمر بن عبد العزيز , ولؤمٌ بالرجل إن استخدم ضَيْفَه.

ومن حلمه وسعة صدرة ملاطفته لشاعر يقول الرفث.

فقد أتى فتيان إلى عمر بن عبد العزيز وقالوا: إن أبانا توفي وترك مالا عند عمنا حميد الأمجي , فأحضره عمر فلمّا دخل قَالَ أنت القائل:

شَرِبْتُ الْمُدَامَ فَلَمْ أُقْلِعْ

وَعُوتِبْتُ فِيهَا فَلَمْ أَسْمَعْ

حُمَيْدُ الَّذِي أَمَجٌ دَارُهُ

أَخُو الْخَمْرِ ذُو الشَّيْبَةِ الأَصْلَع

أَتَاهُ الْمَشِيبُ عَلَى شُرْبِهَا

وَكَانَ كَرِيمًا فَلَمْ يَنْزَع

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015