ـ[أبو قصي المنصور]ــــــــ[07 - صلى الله عليه وسلمug-2009, صباحاً 05:08]ـ

المسألة الرابعة:

تحقيق مادة " الضرح "

ذهب ابن فارس إلى أن هذه المادة أصلان. ولعلَّ الصواب أنها ثلاثة أصولٍ، هذا بيانُها:

الأصل الأول:

إبعاد الأشياء الصغيرة الجِرم بعُنف (أي: بشيء من الجهد). وإن شئتَ تعريفَها بمرادفها، قلتَ: (هي بمعنى: الرمي، أو الطرح).

= ومن صور استعمالها حقيقةً:

1 - ضرْحُ الحصَى، كما قالَ الشاعر:

فلما أن أتين على أُضاخٍ ... ضَرَحْنَ حصاه أشتاتًا عِزِينا

2 - ضرْحُ السَّهم، كما قالوا: (قوسٌ ضَروح): إذا كانت شديدةَ الرمي للسهم.

3 - ضرْحُ القذَى، كما قال أبو تمام:

شوقٌ ضرحتُ قذاتَه عن مشربي ... وهوًى أطرتُ لِحاءَه عن عُودي

= ومن صور استعمالها مجازًا:

1 - ضرْحُ الرجُلِ، كما قالوا: (اضطرحوا فلانًا): إذا رمَوه في ناحية، وتكون كأنك شبهتَه بالأشياء التي ترمَى، كالحصَى، ونحوها. وهذه استعارة مكنيَّة. وفيها من البلاغة، وحسن التصوير ما لا يخفَى. وفي «اللسان» ط بولاق، وصادر، في هذا الموضع تصحيفٌ؛ قال: (وجائز أن يكون اطَّرحوه افتعالاً من الطرح)، والصواب (الضرح)، كما في «التهذيب»، وكما يدل عليه تمامُ الكلام.

ومنه ضرحُ النيَّة لصاحبِها، كما قالوا: (نيَّة ضرَح).

2 - ضرْحُ الشَّهادة، كما قالوا: (ضرحت شهادة فلان): إذا رميتَها، ولم تعتدَّ بها. وهي استعارةٌ مكنيَّة أيضًا.

3 - ضرْحُ العارِ، ونحوِه من المعاني غيرِ الحسيَّة، كما قال ابن الرومي:

سلاحي لِسانٌ لا يُفَلّ، وجُنَّتي ... أديمٌ صحيحٌ يضرَح العارَ أملسُ

وهي استعارة مكنيَّة أيضًا.

4 - ضَرْحُ الكَلام؛ فقد قالوا: ضارحَه، بمعنى سابَّه، وشاتمَه، على جهة الاستعارة التصريحية التبعية؛ كأنَّه راماه بالحجارة.

5 - الرَّمحُ بالرِّجْل، كما قالوا: (فرس ضروحٌ). وذلك أنَّ من لوازمه غالبًا الضرحَ. ومنه قول الأفوه الأوديِّ:

والخيرُ لا يأتي ابتغاءٌ به ... والشَرُّ لا يُفنيه ضَرْحُ الشّموسْ

وهو مجاز مرسَلٌ، عَلاقته اللازميَّة.

+ تصاريفُه (المسموعُ منها ممَّا لا يوجِبه القياس إيجابًا):

يقال: ضرَحه يضرَحه، من باب (فتح)، ضَرْحًا (وهو مصدرٌ قياسيّ)، وضِراحًا (وهو خاصٌّ بالرَّمح بالرجلِ. وهو قياسيّ في ذلك لدَِلالته على الامتناع، كالإِباء، والنِّفار، والفِرار، والشِّماس. ذكرَه سيبويه).

فانضرحَ (وذلكَ في المعاني المجازيَّة خاصَّةً).

واضطَرحه (ويكثر استعمالُه في رمي الرجُلِ، لثِقَلِه؛ فزادوا في المبنَى لزيادة المعنَى).

وضارحَه مضارحة (وهو مصدر قياسي)، وضِراحًا (والأصح أنه سَماعيّ).

وفي «اللسان» ط صادر، تصحيفٌ أدَّى إلى زيادة تعدية هذا الفعل بالهمزة؛ وذلك قوله: (وأضرحه عنك، أي: أبعده)، والصواب - نصًّا لا تفسيرًا -: (واضرحْه عنك، أي: أبعِدْه) كما في «الصحاح»، وكما يَدلّ عليه سائرُ المادَّة.

وصيغة المبالغة من (ضرَحَ): ضَروحٌ (وهي قياسية)

و: ضرَحٌ (وهي على غير قياس متلئبّ، ولا تدخل التاء على مؤنثها)

وقالوا: (رجلٌ ضَريحٌ). وهو فعيلٌ بمعنى مفعول، كما قالوا: جريح، بمعنى مجروح، وقتيل، بمعنى مقتول. والمراد أنَّه كالمرميِّ بعيدًا.

وقالوا: (رجلٌ ضَرَح) بمعنى (فاسد). و (ضرَح) هنا نائبٌ هنا عنِ المفعول، كـ (حسَب)، و (عدَد)، و (قنَص)، و (ووَلَد)، إلا أنَّه لا يَزال باقيًا على وصفيَّته. وتأويلُه: (المرميّ لفساده).

= التفريعات الاشتقاقية على الأصل الأول:

خصَّصتِ العربُ سببًا من أسبابِ (الضَّرْح) بمعنى (الرَّمي) من طريق (التغيير بالزيادة)؛ فقالوا: (أضرحَه) بمعنى (أفسدَه). وذلك أنَّ (الفسادَ) سببٌ من أسباب الرَّميِ؛ إذْ كان معنًى من المعاني اللازمة التي لا تُجاوِز صاحبَها. فلمَّا بقِيَ على أصلِه ثلاثيًّا مجرَّدًا، احتاجوا إلى بناء آخرَ يدلُّون به على إيقاعِ الفسادِ؛ فأخذوا بالقياسِ الغالبِ؛ وهو التعديةُ بالهمزةِ؛ فزادوا (أفعلَ) لهذا الغرضِ.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015