ـ[محب الأدب]ــــــــ[29 - Jul-2009, مساء 07:36]ـ
لقد قَلَّبْتُ النَّظَر في تعقيبات الأخ الحبيب الأستاذ الفاضل أبي قصي فلم أجدْ حَرَجًا في ما ساق سوى بضع كليماتٍ كنتُ أحِبُّ له أن يجنح إلى غيرها، والكرماء مِنْ أمثاله ينتقون أطايب الكلام كما يُنْتَقَى أطايب الثَّمَر، ولعلَّ لأبي قصي عذرا ونحن نلوم! وأحسبُ أنَّ أبا قصي من الذين يتكلمون بِعِلْمٍ، وهو مُجتهِد يخطئ ويصيب ... وما أخالُ أبا قصي إلا باحثا عن الحق مجتهدا في الوصول إليه وَقَّافا رَجَّاعا.
حضرة الأستاذ عمار: هل أنت متأكد من الكلام أعلاه؟؟؟؟؟!!!!! نرجو ذلك
ـ[عمار الخطيب]ــــــــ[29 - Jul-2009, مساء 09:47]ـ
حضرة الأستاذ عمار: هل أنت متأكد من الكلام أعلاه؟؟؟؟؟!!!!! نرجو ذلك
أخي الكريم / محب الأدب - وفقه الله -
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كنتُ قد قلتُ في مكانٍ آخر: " السيد صقر وهارون - رحمهما الله - من العلماء المحققين الكبار، ولذا فإني أحبُّ لإخوتي كما أحبُّ لنفسي أن نتلطف في مخاطبة الكبار ونتخير أجمل العبارات وأحسنها، وأن نكثر من الثناء عليهم، والدعاء لهم ... فهذا من برهم. ونحن لا ندعي العصمة لأحد، ولا ننكر أنَّ هؤلاء بشر يعتريهم ما يعتري البشر من الخطأ والوهم والنسيان ... وإنما أردتُ أنْ أذكِّرَ بحقهم لعلَّ الذكرى تنفع المؤمنين. " اهـ
أرجو أن تجد في هذا الكلام ما يكشفُ عن مرادي حين قلتُ: " فلم أجد في ما ساق سوى بضع كليماتٍ كنتُ أحِبُّ له أن يجنح إلى غيرها ... ".
فإن كنتَ ترى غير ما رأيتُ، فإني أسأل الله تعالى أن يغفر لي ولك ولأبي قصي. وربنا يعلم الخفيات، وما تنطوي عليه النيات.
والسلام عليكم
عمار محمد الخطيب
ـ[أبو قصي المنصور]ــــــــ[03 - صلى الله عليه وسلمug-2009, صباحاً 12:01]ـ
المسألة الثالثة:
هل رواية " باليًا أثوابي " خطأ؟
قال السيد صقر (1/ 10):
(وقال الآخر:
أرأيت إن بكرت بليلٍ هامتي ... وخرجت منها باليًا أثوابي
...
وهو خطأ، والصواب:
... ... وخرجت منها عاريًا أثوابي
... لأن الإنسان لا يخرج من الدنيا باليَ الأثواب؛ بل يخرج منها عاريًا) ا. هـ.
فقلت في أصل الموضوع:
(هذا ليس خطأ كما ذكرَ؛ فقد رواها كذلك أبو عليّ القالي (ت 356 هـ) في «أماليه 2/ 279». ويمكنُ أن يُّخرَّج على وجهينِ ذكرَهما أبو عبيد البكريُّ (ت 487 هـ) في «اللآلي 2/ 922»:
أحدُهما: أن الأكفانَ لا تكون إلا مما بلِيَ عادةً.
الآخر: أن يكون هذا مجازًا مرسَلاً عَلاقتُه المستقبليَّةُ؛ أرادَ أنَّ مصيرَها للبِلى، كما قالَ تعالى: إني أراني أعصر خمرًا، وكما يقال: قتلتُ القتيلَ. و يشهدُ لهذه الروايةِ قولُ النابغة الجعدي:
أرأيت إن صرخت بليلٍ هامتي ... وخرجت منها باليًا أوصالي
وهو شاهدٌ للسماعِ، لأنه اهتدمَ هذا البيتَ؛ لم يغيِّر فيه إلا الكلمة الأخيرة، وشاهدٌ للقياسِ، لأن المرء لا تبلَى أوصالُه حالَ خروجه من الدنيا؛ وإنما تبلَى بعد ذلك) ا. هـ.
ولمزيد من البيان أقول:
السيد صقر كما يرَى القارئ لم يرجِّح رواية على رواية، ولم يقل: إن هذه أصحّ من تلك. ولو فعل ذلك، لكانَ محتمَلاً مقبولاً؛ ولكنَّه تجاوزَ ذلك؛ فحكمَ على رِواية رَواها بعضُ العلماء المتقدِّمين بالتخطئة. وهذا ممَّا لا ينبغي لهُ، ولا لغيرِه؛ وإنما يحِقُّ للمحقِّق أن يُعمِل مرجِّحاتِ الحُكْمِ بالتحريف إذا امتنعَ قَبولُها من جهةِ الرِّواية، أوِ القياسِ امتناعًا.
وكونُ الرِّواية تحتاج إلى شيء من التأويل، أو فيها قدرٌ من الغموض لا يقضي بتخطئتها. ولو فعلنا ذلك، لكان لنا أن نبطلَ كثيرًا من رواياتِ الشعرِ. ولو جازَ هذا، وأشباهُه [وتأمَّل كلمة " لو "]، لكانَ لي أن أقول:
إن الصوابَ: «باليًا أثوابي». وأما «عاريًا أثوابي»، فمغيَّرة منها. ودليل ذلك أربعة أمور:
الأول: أنَّها روايةُ أبي عليّ القالي خاتمةِ الحفَّاظ؛ بل روايةُ شيخِه أبي بكرٍ الأنباريِّ الحافظِ الكبير في «الزاهر 1/ 461». ولعلَّه تلقَّاها عنه شِفاهًا. هذا غيرُ ورودِها في «الشعر والشعراء».
الثاني: أنَّ الرِّوايةَ الأخرَى رِوايةَ (عاريًا أثوابي) أولُ مَن رواها – في ما أعلمُ – أبو تمَّام في «الوحشيات 256»، ومعلومٌ عن أبي تمامٍ تغييرُه للرِّواية.
الثالث: أنَّ الأصلَ في الرِّواية، وفي كثير من الأشياء أن يُحمَل الغريب منها على المعروف، والمغمور على المشهور، والخفيُّ على الواضح. و (باليًا أثوابي) أدنَى أن تكونَ هي الأصلَ لخروجِها عن الظاهر، ثمَّ غُيِّرت إلى (عاريًا أثوابي)، وليس العكس.
الرابع: أنَّ هذا البيتَ إنما هو اهتِدامٌ لبيت النابغة الجعديِّ:
أرأيت إن صرخت بليلٍ هامتي ... وخرجت منها باليًا أوصالي
حيث نسخَه، ولم يغيِّر فيه إلا الكلمةَ الأخيرةَ. وليس لبيت النابغة إلا هذه الرّوايةُ. وهبْنا غيَّرنا (باليًا أثوابي)، فماذا نصنع بهذا البيت؟ أوليست أوصالُ المرء لا تبلَى إلا بعد مدَّة من دفنِه؟
فهل نبطلُه، ونخرجه من عِداد الشِّعر؟
وبعدُ،
فهذا كلامٌ أردتّ أن أبيِّن به أنا لو أسلمنا تراثَنا إلى أذواق المحقِّقين، واستحساناتِهم، لوجدنا من يخطِّئ ما صحَّحَه السيد صقرٌ، ويصحِّح ما خطَّأه. وهكذا يصبحُ التراثُ ألعوبةً تتعاورُها الأيدي، لأنَّ العقولَ تختلِفُ، والأذواقَ تتبايَنُ، وكل إنسان بعقلِه واثقٌ، وبذوقِه راضٍ، معجَبٌ.
تنبيه:
خطَّأ السيِّد صقر بعد هذا رِوايةَ (وقدَّمت الأديمَ). وهذا بالغ العجبِ. وقد بيَّنت ورودَها – غيرَ مستوعبٍ – في أكثرَ من عشرةِ مراجعَ، وبيَّنتُ أيضًا أنها إلا تكن أبلغَ من الأولَى، فهي مثلُها. وانظر ما ذكرَه الأستاذ محمود شاكر في حاشية «طبقات فحول الشعراء 1/ 76».
¥