ـ[الواحدي]ــــــــ[29 - Jul-2009, صباحاً 07:38]ـ

( ... تابع)

** سادسًا: في "اللسان" (بولاق وصادر): "بالمُتَنَزَّلِ". لكن في طبعة المعارف: "بِالمُتَنَزِّلِ". ومن محاسن طبعة المعارف أنَّها استدركت الأخطاء التي اعتورت سابقتَيها ... فالإحالة إلى "اللسان" ساقطة من هذا الباب.

والغريب أنّك في مادة "صفا"، المادة نفسها التي ذُكر فيها بيت امرئ القيس، تقرأ قول أوس ابن حجر:

عَلَى ظَهْرِ صَفْوَانٍ كأَنَّ مُتُونَه --- عُلِلْنَ بِدهْنٍ يُزْلِقُ الْمُتَنَزِّلاَ!!!

وقال امرؤ القيس بن جبلة السكوني:

وبَاتَ يَرَى الأَرْضَ الفَضاءَ كَأنَّها --- مَراقِبُ يَخْشَى هَوْلَهَا الْمُتَنَزِّلُ

وهذا شاهد قويّ ...

ـ[الواحدي]ــــــــ[29 - Jul-2009, صباحاً 07:40]ـ

( ... تابع)

** سابعًا: لكن، هل ضبط "بالمتنزّل" بفتح الزاي خطأ؟ وما الذي جعل عددًا من الأعلام يأخذون به، مع علمهم بما ورد في شروح المعلَّقة؟

هذا هو السؤال ...

وللجواب عنه، لا بد من محاولة إدراك المعنى الذين فهمه القائلون بفتح الزاي.

أمّا الاكتفاء بتوضيح أنّ "المتَنَزَّل" اسم مفعول، ثم تقرير أنّ المراد به المطر، فهذا لا يكفي ...

والراجح أنَّهم فهموه حسب ظاهر تركيبه، أي: أنّ الباء من "بالمتنزّل" تفيد الظرفية؛ فليست الصفواء هي التي تُزِلُّ المتنزّل، بل الصفواء هي التي تزِلُّ بالمتنزَّل. فيكون "المُتَنَزَّل" هنا، بهذا المعنى: اسم مكان، أي موضع النزول، بمعنى: المَهْوى أو المنحدَر. فعدم التفاتهم إلى المعنى الآخر، أي: كما أزَّلت الصفواءُ المتنزّلا، هو الذي جعلهم يقولون بفتح الزاي.

ويشهد للمتنزَّل بمعنى الموضع المنحدر قول عمرو بن شأس:

وَحُجْرًا قَتَلْنَا عُنْوَةً فَكَنَّمَا --- هَوى مِنْ حَفافَيْ صَعْبَةِ المُتَنَزَّلِ

أي: صعبةَ النزول.

وقال الخطيم المحرزي:

ألا أيُّها الغادِي لِغَيْر طريقِهِ --- تَمَهَّلْ تَنَاهَ ولَمَّا تَعْيَ بِالمُتَنَزَّلِ

ولعلّهم التفتوا إلى قول امرئ القيس:

--- كجلمود صحْرٍ حَطّه السَّيْلُ مِنْ عَلِ

فعَلِق بأذهانهم عند قراءة البيت الذي يعنينا ...

والمستنَد الآخر، الأقوى في نظري، هو ابن قتيبة. نعم، ابن قتيبة!

إذ يقول في "المعاني"، بعد ذكر بيت امرئ القيس:

"حال متنه: موضع اللبد. قال الأصمعي: لم أسمع به إلا في هذا البيت. وشبَّه زليلَ اللّبْدِ عنه بصخرة تَزِلُّ في هبوط."

فالذي يَزِلّ عند ابن قتيبة ليس النازل، سواء كان مطرًا أو طائرًا أو إنسانًا، بل الصفواء. ومن هنا، لا يصحّ ضبط "بالمتنزّل" في كتاب المعاني إلاَّ بفتح الزاي، لتنسجم مع شرح المؤلِّف. ثم يشار في الهامش إلى الوجه الآخر الذي ذكره شرَّاح المعلَّقات، وكذا الوجه الذي يراه المحقِّق راجحًا.

هذا الذي أراه تفسيرًا وتوجيها لرأي من يضبط "المتنزّل" بفتح الزاي. وإن كان الشيخ أحمد شاكر رحمه الله استند في ضبطه إلى "اللسان" لا إلى "كتاب المعاني".

وشرح ابن قتيبة لبيت امرئ القيس على النحو الذي ذكرتُ يبدو فيه متجاهِلاً لمعنى "الصفواء" واختصاصها بالملاسة، ذلك لأنّ "الصفواء" عنده هي: الحجارة (الجراثيم: ج2، ص41، حيث لم يقيِّدها بصفة الملاسة أو الصلادة).

والمعنى الذي ذهب إليه شرَّاح المعلَّقات وغيرهم أكثر انسجامًا مع صدر البيت وأقوى تعبيرًا وتصويرًا. ويعكِّر على المعنى الذي ذهب إليه ابن قتيبة أنَّ الصخر النازل قد يعترضه شجر أو صخر آخر أكبر منه، فيحبسه أو يعطِّل سرعة هبوطه. والأمر ليس كذلك إذا أخذنا بقول شرَّاح المعلَّقات، حيث الزلل واقع وسريع إذا اعتبرنا المتنزِّل هو المطر؛ وحيث المتنزِّل إذا اعتبرناه طائرًا أو إنسانًا يجتهد في النزول بحذر، ومع ذلك يسقط في النهاية، وهذا أبْلَغ تصويرًا وتشبيهًا. والسر كل السر هو: ملاسة متن الفرس، لأنَّ هذا هو الذي قصده امرؤ القيس؛ وهذا المعنى وهل عنه ابن قتيبة.

والله أعلم.

ولهذا، لمّا أشرتُ في إحدى حلقات "ففهّمناها" إلى أنَّ السيِّد أصاب من وجه، وأنّ أبا الأشبال أصاب من وجه آخر، لم يكن ذلك من باب المهاترة، أو السفسطة، أو على مذهب المصوِّبة؛ بل بالنظر إلى مثل هذه الدقائق. ولو جمعنا مذهب السيّد ومذهب أبي الأشبال في هامش واحدٍ تعليقًا على بيت امرئ القيس، على النحو الذي ذكرتُه؛ لما بدا التعليق متناقضًا، بل لكان متكاملا شاملا مفيدًا.

ومن هنا وجب التريُّث في إطلاق الأحكام، وإعطاء هذه المسائل ونظائرها كل الوقت اللازم، واستفراغ الجهد بحثًا ودراسةً وتمحيصًا ...

ومع هذا، ينبغي دومًا أن يتوقَّع الإنسان من نفسه الخطأ، ويجتهد في معرفة أعذار من خطّأهم ...

ثم بعد هذا كلِّه، يختم كلامه قائلاً: "والله أعلم"؛ إقرارًا بالقصور الملازم للبشر، وتفويضًا للعلم الحقيقي التام الكامل في الأمور كلِّها لله تعالى.

والله أعلم.

ـ[الواحدي]ــــــــ[29 - Jul-2009, صباحاً 09:05]ـ

** تصويبان:

( ... تابع)

قول عمرو بن شأس:

وَحُجْرًا قَتَلْنَا عُنْوَةً فَكَنَّمَا --- هَوى مِنْ حَفافَيْ صَعْبَةِ المُتَنَزَّلِ

...

ألا أيُّها الغادِي لِغَيْر طريقِهِ --- تَمَهَّلْ تَنَاهَ ولَمَّا تَعْيَ بِالمُتَنَزَّلِ

فَكَنَّمَا= فكَأنَّمَا

تَمَهَّلْ = زائدة، تحذف.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015