= وإذا رجعنا إلى «المعاني الكبير»، رأينا مصحِّحه اعتمد على نسخةٍ كُتبت في زمنٍ متأخِّرٍ. وهي نُسخة مشحونةٌ بالأغلاطِ، والتصحيفاتِ، يَظهر أنها غيرُ مضبوطةٍ؛ فلعلَّ فتحَ الراء فيها من عملِ المستشرق كرنكو، أو اليماني؛ تلقيَاه عن «اللسان».
+ وأما سائِر الكتب التي وردَ فيها الفتحُ، فليست ممَّا يُحتجّ به، لأنَّ أصحابَها لم يكونوا من أهلِ الرِّوايةِ، ولا شافهوا العربَ. وأنا أذكرُها معَ ذلك مبيِّنًا ما فيها.
= فأما «تاج العروس»، فالضبطُ فيه بلا شكٍّ من عمَل المحقِّقِ، اعتمدَ فيه على «اللِّسان». وذلك أنَّ الكتابَ أصلاً لم يضبِطه مؤلِّفه الزَّبيديُّ بالشكل عندما ألَّفَه. وفي آخرِ الكلامِ الذي نقلَه تصحيفٌ؛ إذ ذكرَ (عن أبي عبيدة). والصواب (عن أبي عبيد).
= وأما «لسان العرب»، فلا ندري أكانت الراء مضبوطةً بالفتح في النسخة التي اعتمدَ عليها مصحِّح طبعة بولاق؟ أم اعتمدَ في ضبطِها على «تهذيب اللغة»؟ لأنَّ الذي في «اللسان» منقولٌ عن «التهذيب» بنصِّه.
وهذا نصُّ «اللسان»:
(الأصمعيُّ: الصَّفواء، والصفوان، والصفا، مقصور، كلُّه واحدٌ. وأنشد لامرئ القيس:
كميتٌ يزِلّ اللِّبدُ عن حالِ متنِه ... كما زلَّت الصفواء بالمتنزَّلِ).
ثم ذكرَ بعقِبه:
(ابن السكيت: الصفا: العريض من الحِجارة الأملس).
وهذا نصُّ «التهذيب»:
(أبو عبيدٍ عن الأصمعي: الصفواء، والصفوان، والصفا، مقصور، كلُّه واحد. وأنشدَ:
... كما زلَّت الصفواءُ بالمتنزَّلِ ...
الحراني عن ابن السكيت قال: الصفا: العريض من الحجارة الأملس ... ).
فقد رأيتَ أن ابنَ منظور نقلَ كلامَ أبي منصورٍ بنصِّه، لم يزِد فيه إلا نسبة البيت لامرئ القيس، وذكْرَ صدرِه، وحذْفَ اسم أبي عَبيدٍ.
وأيُّ ذلك كان، فهو يعيدُنا ولا بُدَّ إلى «التهذيبِ». وهي مضبوطةٌ فيه في النسخة المحقَّقةِ بالفتحِ!
فهل كانَ ضبطُها بالفتحِ من فِعل أبي منصورٍ، أم كان من فعلِ المحقِّق، أخذَه من «اللسان».
فإن كان من فِعْل المحقِّق، فعلى أيِّ شيءٍ اعتمدَ مصحِّح بولاق في الضبطِ بالفتح؟
وسواءٌ كان هذا، أم ذاك، فهو يردُّنا إلى «الغريب المصنف» كما تقدَّمَ.
= وأما «جواب اعتراضات ابن العربي» لابن السِّيد البطليوسيِّ، فقد ضبطَها المحقِّق بالفتحِ!
ولكنَّ هذه الرسالةَ التي حقَّقها خرجت من قبل باسم «الانتصار ممن عدل عن الاستبصار»؛ أخرجَها محقِّق آخرُ؛ فلم يضبطها بشيءٍ مع اعتمادِه على أكثر من نسخةٍ.
= وأما «رسالة الغفران»، فقد اعتمدت المحقِّقة فيها على عِدَّة نسَخٍ؛ ولكنا لا ندري، أكانَ اعتمادُها في الفتح عليها، أم على مصدرٍ آخَرَ.
= ومثلُ ذلك «حاشية ابن بري على درة الغواص».
وحتى لو كانت الراءُ مضبوطةً في النسخ الخطيَّة لهذا الكتابِ، والكتابين اللذين قبلَه بالفتحِ، فلا حُجَّة فيها، لتأخُّرِها.
+ وقد انتهينا من هذا كلِّه إلى أن نحصرَ احتمالاتِ ثبوتِ الضبطِ بالفتحِ في أربعةِ كتبٍ من كتبِ المتقدِّمين التي يصِحّ الاحتجاجُ برواياتِها، داخلَنا فيها الشَكُّ، لوجود سبِبه؛ فلم نرَد بدًّا من الرجوعِ إلى مخطوطاتِها؛ وهي:
1 - مخطوطة «الغريب المصنف» المحفوظة في مكتبة المتحف العراقي برقم 1628.
2 - مخطوطة «المذكر والمؤنث» لأبي حاتم السجستاني. وهي نسخةٌ قديمةٌ، كُتبت بخطٍّ واضحٍ، مضبوطٍ بالشكل، مقابلةٌ على الأصل عام 386 هـ. وهي محفوظة في مكتبة يوسف آغا بقونية في تركيا، ضمن مجموع رقمه 295.
3 - مخطوطة «الشعر والشعراء». ولها عدَّةُ نسخٍ موجودة في مصر، وسوريةَ، والهند، وغيرها.
- فإن ثبتَ الفتحُ في مخطوطتين صحيحتيِ الضبط، لكتابين مختلفين، فأكثرَ، كان هذا كافيًا في إثبات صحَّتِه.
- وإن ثبت في مخطوطة واحدة، فالحُكْم أنه من خطأ النسَّاخِ، لمخالفتِه الأدلَّةَ الظنيَّةَ الكثيرةَ.
- وإن لم يثبت في شيءٍ من ذلك، فلا ريبَ في بطلانِه، وأنَّه جميعَه راجعٌ إلى خطأ وقعَ فيه مصحِّح طبعة بولاقٍ تلقَّفَه عنه غيرُه، ربَّما ابتدأه من لدنه، وربَّما استندَ فيه إلى «التهذيب» إن كانت الراءُ مضبوطةً في إحدى مخطوطاته بالفتحِ، ويكونُ الخطأ راجعًا إلى نُسخة «التهذيب». ويُنظر في هذا نسخة «اللسان» المحفوظة في دار الكتب المصرية برقم (46 لغة). ولا أدري أهي النسخة الثانية التي اعتمد عليها مصحِّح بولاق، أم نسخةٌ أخرى. كما يُنظر في مخطوطات «التهذيب» المفرَّقة في العالم (راجع: مقدمة «تهذيب اللغة»).
+ وهذا لا يعني تركَ الاحتجاج بضبط المحقِّق مطلقًا؛ وإنما الأصل أن يُحتجَّ به إذا كان ثِقةً، عالمًا، حتى يقعَ الشكّ فيه، أو يقومَ الدليلُ على خلافِه.
+ وأرجو ممَّن يستطيع من القرَّاء الكرامِ الاطِّلاعَ على بعضِ هذه المخطوطاتِ، وتصويرَ موضعِ الخلافِ منها، ألا يبخَل علينا بذلك، وله منا الشكرُ واصِبًا.
هذا، والله تعالَى أعلمُ.
¥