+ ثم رمَيتُ ببصري إلى الجانب المناوِحِ، فوجدتُّ رِوايةَ الفتحِ ثابتةً في جملةٍ من مصادرِ العربيَّة تباعِدُ بادئَ الرأيِ مظِنَّة تصرُّف المحقِّقين.

فهي ثابتةٌ من كتب اللغة في «المذكر والمؤنث»، وفي «تهذيب اللغة»، وفي «مجمل اللغة»، وفي «حاشية ابن بري على درة الغواص»، وفي «لسان العرب»، وفي «تاج العروس»، ومن كتب الأدبِ في «المعاني الكبير»، وفي «الشعر والشعراء»، وفي «رسالة الغفران»، وفي «جواب اعتراضات ابن العربي» لابن السِّيد البطليوسي.

= وقد يكونُ وجودُها في هذه الكتب، وأزيدَ منها، غيرَ ذي بالٍ، لولا أنَّها جاءت منتظمةً على وجهٍ يُوهِم أنَّها رِوايةُ الأصمعيِّ؛ فالفتحُ الذي في «التهذيب» إنما جاء في سياقِ كلامٍ نقلَه عن أبي عبيدٍ؛ وأبو عبيدٍ إنما ذكرَه في «الغريب المصنَّف» عنِ الأصمعيِّ؛ فإذا راجعنا «الغريب المصنَّف» الذي حقَّقه العبيديُّ، وجدنا الرِّوايةَ فيه بالكسر، لا بالفتحِ؛ ولكنْ يَردُّنا إلى الحَيرةِ الأولَى أنَّ كلامَ الأصمعيِّ هذا نقلَه ابنُ فارسٍ في «المجمَل»، وضبطَ المحقِّقُ الراء بالفتحِ، وأحالَ في الحاشية على «الغريب المصنف»؛ فإذا نظرنا في ثبَت المراجعِ، وجدناه رجعَ إلى مخطوطةِ المتحفِ العراقيِّ؛ وهي مخطوطةٌ لم يعتمد عليها العبيديُّ في طبعتِه للكتابِ.

فهل كانت الراءُ مضبوطةً بالفتح في تلكَ المخطوطة، وعليها اعتمدَ المحقِّق، وأبو منصورٍ أيضًا، أم اعتمدَ المُحقِّق في الضبطِ على مخطوطاتِ «المجمَل» نفسِها؟ أم كانت الراءُ في مخطوطة «الغريب»، و «المجمل» غيرَ مضبوطة؛ فضبطَها استنادًا إلى «اللسان»؟

لا ندري.

وإذن، نقف هنا، حتى نراجعَ هذه القضيةَ عمَّا قليلٍ.

= وأمرٌ آخَرُ يوهِمُنا أنها رِواية الأصمعيِّ؛ وهو ورودُها بالفتحِ في «المذكر والمؤنث» لأبي حاتمٍ؛ وأبو حاتمٍ من كبار تلاميذ الأصمعيِّ، وكثيرٌ من علمِه مأخوذٌ عنه.

= وزادَ هذه القضيةَ تعقيدًا أنَّها وردت أيضًا في كتابين لتلميذ أبي حاتمٍ؛ وهو ابنُ قتيبةَ؛ وذلكَ في «الشعر والشعراء»، و «المعاني الكبير».

فهل نعُدُّ هذا دَليلاً على صِحَّة الفتح، وأنَّه تلقَّاها عن الأصمعيِّ أبو عبيدٍ، وأبو حاتمٍ، ثم تلقَّاها عن أبي عبيدٍ نقلاً من كتابِه أبو منصورٍ الأزهريّ، وابن فارسٍ، وتلقَّاها عن أبي حاتمٍ سماعًا تلميذُه ابنُ قتيبةَ، أم نعدُّه من المصادفاتِ النادرة التي أوقعَنا فيها خطأ النُسَّاخِ، أو المحقِّقين؟

= ولكن إذا رجعنا إلى كتاب «المذكر والمؤنث» بتحقيقِ عزة حسن، وجدناه ضبطَ الراءَ بالكسرِ، لا بالفتحِ، خلافًا لحاتم الضامن في تحقيقه. وليس هذا العجبَ؛ وإنما العجَب أنهما اعتمدا على نسخةٍ واحدةٍ.

= وممَّا يزيدُني حَيرةً أنَّ الضامنَ أحالَ عند ورود البيت إلى «ديوان امرئ القيس» الذي حقَّقه محمد أبو الفضل إبراهيم؛ وهو مضبوطٌ فيهِ بالكسرِ، لا بالفتحِ!

فما الذي حملَه على أن يصِرَّ على الفتحِ معَ علمِه أنها بالديوانِ مضبوطةٌ بالكسرِ؟

أفكانت مضبوطةً في المخطوطةِ بالفتحِ؟

فإن كانَ هذا، فلِمَ اختارَ عزة حسن الكسرَ؟

أكان هذا مخالفةً منه لما في النسخةِ؟ أم كانت الراء غيرَ مضبوطةٍ في النسخةِ؛ فاجتهدَ كلٌّ منهما؛ فاختارَ ما يراهُ صوابًا.

فإن كان هذا، فلِمَ تركَ الضامن رِوايةَ الديوانِ؟

لا ندري.

وإذن، نقف هنا كما وقفنا آنفًا، حتى نراجعَ هذه القضيةَ عما قليلٍ.

= وإذا رجعنا إلى «الشعر والشعراء»، وجدنا الشيخَ شاكرًا ضبطَها بالفتحِ. وقد ذكرت في الردِّ السابقِ أنَّه رجعَ إلى نُسخٍ خطيَّة. وهو خطأ؛ وإنما اعتمدَ على طبعة (ليدن). وقد رجعتُ إلى طبعة (ليدن)، فألفيتها مضبوطةً بالفتحِ. وقد أحالَ الشيخ عند ورود البيت في الحاشية على «اللسان». وظاهرٌ جدًّا أنَّه اعتمدَ في هذا الضبط عليهما، أو على أحدِهما، أعني «اللسان»، وطبعة ليدن. فلا يبقَى في هذا مستمسَك.

ولكن على أيِّ شيءٍ اعتمدَ دي غوية؟

أكان اعتمدَ على نسخةٍِ خطَّيَّة؟ أم اعتمد على «اللسان».

لا ندري.

وإذن، نقف هنا كما وقفنا آنفًا، حتى نراجعَ هذه القضيةَ عما قليلٍ.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015