(هذه الرِّواية التي خطَّأها روايةٌ ثابتةٌ صحيحةٌ رواها ابنُ قتيبةَ (ت 276 هـ) نفسُه في «كتاب المعاني الكبير 1/ 146»، ورواها أيضًا شيخُه أبو حاتمٍ السجستانيُّ (ت 255 هـ) في «المذكر والمؤنث 161»، وأبو منصور الأزهريُّ (ت 370 هـ) في «تهذيب اللغة 12/ 249». ويبعُد أن تكونَ مصحَّفةً في جميعِ هذه الكتبِ.

فهذا ما بلغَنا من الرِّوايةِ في ضبط هذه الكلمة. وهي صحيحةٌ في اللغةِ؛ فقد وردَ في المعاجمِ أن (تنزَّلَه) مثلُ (نزَّله)؛ فـ (المتنزَّل) إذن بمعنى (المنزَّل)؛ وهو المطرُ).

فقال الأخ الكريم:

(إحالتك على المصادر التي ذكرتَها لا تستقيم إلا إذا كان فيها ما يشير تلميحًا أو تصريحًا إلى ضبط "المتنزّل" بفتح الزاي. وفرقٌ بين الاستناد إلى المصدر، والاستناد إلى ضبط محقِّقه).

# والردُّ عليه:

-كانت حُجَّتي في إثباتِ صِحَّة (المتنزَّل) بالفتح هي ورودَها في بعضِ كتبِ أهلِ العِلْم المتقدِّمين مضبوطةً هذا الضبطَ. ومنها:

1 - «المذكَّر والمؤنَّث 161» لأبي حاتم السجستانيِّ (ت 255 هـ)، تح حاتم الضامن.

2 - «المعاني الكبير 1/ 146» لابن قتيبةَ (ت 276 هـ)، تص عبد الرحمن اليماني.

3 - «تهذيب اللغة 12/ 249» لأبي منصور الأزهريِّ (ت 370 هـ)، تح أحمد البردوني، ومراجعة علي البجاوي.

وزدْ عليها من كتبِ مَن بعدَهم:

4 - «مجمل اللغة 1/ 535» لابن فارس (ت 395 هـ)، تح زهير سلطان.

5 - «رسالة الغفران 540» لأبي العلاء المعرِّي (ت 449 هـ)، تح عائشة بنت عبد الرحمن " بنت الشاطئ ".

6 - «لسان العرب» لابن منظور (ت 711 هـ)، مادة (ص ف ا)، ط بولاق التي اعتمدَ فيها على نسخة بخطِّ ابن منظور نفسِه، وط صادر، وذكرَ في الهامش: (وفي رواية أخرى: " والمتنزِّل " بدلَ " والمتنزَّل ").

7 - «تاج العروس» للزَّبيديِّ (ت 1205 هـ)، مادة (ص ف و)، تح عبد الصبور شاهين، ومراجعة محمد حماسة عبد اللطيف.

وغيرَها.

-وكانت حجَّة الأخ الكريم أنَّ الاعتماد على الضبط لا يستقيمُ، ما لم يكن في هذه الكتب تصريحٌ، أو تلميحٌ.

والعلَّة التي منعَ بها ذلك هي أنَّ هذا الضبطَ من عمَل المحقِّقِ.

هكذا قالَ الأخ.

* وهذا قولٌ مردودٌ من خمسة وجوهٍ:

1 - أنَّه يَلزَمُ من ذلك إبطالُ الاحتجاجِ بأكثر معجماتِ العربيَّة، ودواوينِها، وسائرِ كتبِها؛ إذْ ليس فيها تصريحٌ، أو تلميحٌ بالضبطِ. وفي هذا من الفسادِ ما لا يخفَى على عاقلٍ.

2 - أنَّه يبطُلُ أوَّلَ ما يبطلُ الاحتجاجُ بـ (المتنزِّل) بالكسرِ، لأنَّ المؤلِّفَ أيضًا لم يصرِّح بكسرِها، ولم يُلمِّح.

3 - أنَّ هذا مخالِفٌ للمنطقِ القاضي بأنَّ المحقِّقين يختلفونَ جودةً، ورداءةً، وبأنَّ مواضعَ الضبطِ تختلِفُ أيضًا قوَّةً، وضعفًا.

4 - أنَّ هناكَ ما يدُلُّ على أنَّ ضبطَها بالفتحِ في «الشعر والشعراء» ليس من صنعِ الشيخ أحمد شاكر؛ وإنما اعتمدَ فيه على النُّسَخِ المخطوطة، أو نُسخةٍ منها. وذلكَ أنَّه لم يأخذ بإنكارِ السيد صقرٍ للفتحِ في الطبعة الثانية. ولو كان هذا من اجتهادِه، أو كانَ خطأ مطبعيًّا، لرجعَ عنه؛ ولا سيَّما بعدَ أن ذكرَ له السيد صقر ما هو مُثبَتٌ في «الديوانِ»، و «شرح المعلقات العشرِ»؛ وهو لا شَكَّ الأعرفُ.

5 - أنَّ روايةَ الكسرِ أشهرُ من روايةِ الفتحِ، وهي المثبتةُ في «شرح القصائد السبع»، و «شرح المعلقات العشر»، و «الديوان»؛ فكيفَ يتفقُ طائفةٌ من المحقِّقين على ضَبطِ هذا الحرفِ بالفتحِ معَ أن الكسرَ أشهرُ؟

فمقتضَى هذا:

أن يكونَ المتأخِّر منهم يأخذ ضبطَه لهذا الحرف عن المتقدِّم. وهذا بعيدٌ جدًّا، لأنَّ الكتبَ التي وردت فيها هذه الكلمةُ بالفتحِ ليست أصولاً يُرجَع إليها في روايةِ معلَّقة امرئ القيس؛ وإنما العادةُ أن يرجِعَ المحقِّق في ضبطِ أبياتِها إلى شروح المعلقاتِ، أو الديوان.

خلاصة المسألة:

خطَّأ السيِّد صقرٌ رِوايةَ (المتنزَّل) بالفتحِ، فرددتُّ عليه تخطئتَه، وذكرتُ عدةَ مصادرَ ضُبِطت فيها الكلمةُ بالفتحِ، فاعترضَ الأخ على هذا بأنَّه استنادٌ إلى ضبطِ المحقِّقِ، وليس ثَمَّ تصريحٌ، أو تلميحٌ من المؤلِّفِ بالفتحِ، فرددتُّ عليه مبيِّنًا فسادَ هذا القولِ، ومستدِلاًّ على أنَّ الشيخَ شاكرًا، وغيرَه لم يضبطوها هذا الضبطَ إلا اعتمادًا على النسخِ الخطيَّة التي عندَهم.

=وإذن، تبطلُ هذه الضلالاتُ التي تَردَّى فيها الأخُ، ويثبتُ أنَّ السيِّد صقرًا أخطأ في هذا كما يخطئ من هو أعلمُ منه؛ فالدفاعُ عنه بعد هذا مغالطةٌ، وخيانةٌ للعِلْمِ.

* وسيُلحَق بهذه المسألة مزيدُ تفصيلٍ إن شاء الله.

ملحوظة:

لن أردَّ بعد هذا إلا على الكلام العلمي المؤصَّل، معرِضًا عن كلِّ ما سوى ذلك من اللَّغوِ.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015