ـ[الواحدي]ــــــــ[16 - Jul-2009, صباحاً 09:50]ـ

( ... تابع)

كان هذا منِّي مجاراة لأبي قصي في احتجاجه، وهو احتجاج تجزيئي تفكيكي لعباراته هو، لإلباسها معنى غير المعنى المتبادَر إلى الذهن، المنسجم مع السياق ... والاحتجاج التجزيئي على هذا الوجه، ما هو إلا تنصُّلٌ جزئيّ ممّا قرَّره في تعقيباته، لقلب الحقائق، وإظهار أنّ كل ما قيل في حقّه إنَّما مردُّه إلى سوء فهمنا لكلامه، لا سوء فهمه هو لكلام العلماء. وهذه حيلة لا تنطلي على ساذج ...

الآن، لِنخرجْ من المنطق التجزيئي التفكيكي الذي جرَّنا إليه أبو قصي، ولْنتكلَّم عن المسألة بمنطق تحليلي شامل متكامل:

** أوَّلا: قرَّر أبو قصي أنَّ السيّد صقر، رحمه الله "أنكر بعض الرِّوايات الصحيحة". هذا كلامه، ولا يستطيع أن ينكره أو يتأوَّله بمنطق بيزنطي! ولن أتوقَّف مجدَّدًا أمام قوله: "ولجّ في إنكارها"، لأنَّ ذلك قد يغيظه، ولا أوَّد إغاظة رجُل يودُّ العودة إلى المنطق والصواب ...

والسؤال: هل منهج السيِّد في التحقيق قائم على إنكار الروايات الصحيحة؟

الجواب تجده في مقال السيِّد، في الصفحة 8 من مقدِّمات "الشعر والشعراء":

"ولكنه (أي: المحقِّق) لم يثبِت اختلافات الروايات إلا قليلا."

ثم يضيف:

"ولئن كانت هذه الطبعة تمتاز بذلك (أي: شرح الألفاظ الغريبة والإشارة مصادر بعض النصوص)، إنَّ طبعة ليدين تمتاز عليها بميزة عظيمة. فقد حرص "دي غوية" كل الحرص على إثبات كل خلاف بين النسخ مهما كان شأنه، ليكون القارئ على بيِّنة منه فيختار ما يختار ويردّ ما يردّ، بذوقه الخاص، ورأيه المستقل، ولا يكون مقيَّدًا بذوق الناشر ورأيه. فقد يكون الناشر مصوِّبًا للخطأ أو مخطِّئًا للصواب وهو لا يدري. والأنظار متباينة، والأفكار متفاوتة، وفوق كل ذي علم عليم. ومن أجل ذلك لا أوافق الأستاذ على طرحه لتلك الاختلافات التي أثبتها "دي غوية"، ولست أدري لماذا تركها وهي بين يديه؟ "

فمن الذي كان أحرص على الروايات الصحيحة، إن لم يكن السيِّد؟

** ثانيًا: يؤكِّد السيِّد أنه اطَّلع على عدَّة نُسخ للشعر والشعراء، لم يعتمد عليها "دي غوية"، ولم يلتفت إليها الشيخ أحمد شاكر. ويؤكِّد أيضًا أنَّ بين النسخ اختلافات كثيرة، وأنَّ طبعة "دي غوية"، التي اعتمد عليها أحمد شاكر، إنَّما هي طبعة ملفَّقة وناقصة. ويشير إلى أنَّ بعض النصوص التي نقلها الأقدمون عن "الشعر والشعراء" غير موجودة في طبعة "ليدن" (التي اتَّخذها أبو الأشبال إمامًا لطبعته).

وبعد هذا كلِّه، هل بقي لنشرة "ليدن" قيمةٌ علمية يقينية توجب علينا اتخاذها أصلاً محكَّمًا في الروايات واختلافاتها؟ هذا هو بيت القصيد. وهذا هو الأساس الذى بنى عليه السيّد بعض انتقاداته.

(يتبع ... )

ـ[الواحدي]ــــــــ[16 - Jul-2009, صباحاً 09:53]ـ

( ... تابع)

** ثالثًا: عدد تعقيبات أبي قصي على السيِّد: 6. خمسةٌ منها مردودة عليه، شكلاً ومضمونًا، قلبًا وقالبًا، لفظًا ومعنى. وواحد منها فقط يحتمل الأخذَ والرَّدُّ، ويُستأنَس له بمنهج السيِّد ومنهج أبي الأشبال فيما يتعلَّق بالتحقيق بشكل عام.

وما هو عدد استدراكات السيِّد على أبي الأشبال؟ التي ذكرها في مقاله عددها: 44. وأشار إلى أنّه لم يذكر كل يستوجب التصويب، وهو مصدَّق في الذي قاله ...

إذن لدينا ستّة تعقيبات، خمسة منها مردود على صاحبها، وهي من باب تخطئة الصواب. فلم يبق إلا تعقيب واحد محتمِل للصحّة التامة! قارنْه بعدد استدراكات السيِّد، واخلص إلى النتيجة "المنطقية" ...

بل لو سلَّمنا بصحَّة التعقيبات كلِّها، لما كان ذلك شيئًا يُذكَر أمام عدد استدراكات السيِّد ...

وهذا لا يعني الدعوة إلى مصادَرة النقد أو تحريمه؛ فالنقد مطلوب ومحبَّذ. ولكن يجب أن يأخذ الحيِّز الذي يقتضيه، وأن يشار إلى أثره على النص المنتقد، وحجمه منه؛ لا أن يُلقى الكلام جزافًا، ويتضمَّن عبارت توهِم بتكرار الأخطاء أو احتمال ذلك. ولا ينبغي أيضًا أن تبنى عليه أحكام عامّة متسرِّعة، وجائرة، مثل: "نفي بعض الروايات الصحيحة"، والمجازفة بالقول إنّ السيِّد "لم يفهم معنى الزيادة عند النحاة" ...

** رابعًا: النقد لا يكون بالمصادفة، ولا يشفع لصاحبه الإقرارُ بأنَّه لم يستقص أو لم يستوعب النص الذي انتقده. فالناقد له خياران:

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015