ـ[الواحدي]ــــــــ[16 - Jul-2009, صباحاً 09:41]ـ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
هذا جيّد ...
وتغيير لغة الخطاب من أبي قصي له دلالات حسان، تبشِّر بالخير.
لكن ...
أُعْلِمه ابتداءًا أنّ ابتعادي عن لغة البيان لدفع البهتان، لا يعني القبول بالمغالطة إذا ما لجأنا إلى لغة البرهان.
فالبيان كان بحجَّة، والبرهان سيكون بحجة أيضًا، بإذن الله.
فلنتّبعْ إذن هذا النهج، ولنلتزمْ هذا النمط، وهو التركيز على المسائل.
وإن كنت أرى من "المنطقيِّ" أنْ نبدأ بكبريات القضايا التي أثارت هذا النقاش، والتي لولاها لكان للخطاب وجه آخر وسمت مختلف ...
لكن، لا بأس. ولْنُجارِ الأخ في مسعاه ...
المسألة الأولى:
يقول أبو قصي: "فذكرتُ منها بعضَ ما صادفتُ، غير مستقصٍ ولا مستوعب".
ويحاول أبو قصي أن يصيِّر كلامَه متنًا علميَّا، محكَم البناء، ضُبِطَت ألفاظه، ووُضع كلُّ واحد منها في موضعه؛ ثم يكتب عليه شرحًا إغريقيًّا، لاجئًا إلى المنطق والمناطقة ...
فلْنتركْ له المنطق المدَّعى، يستحوذ عليه كما استحوذ على الفهم.
ولْنحاول فهْم عبارته كما يفهمها أيُّ عربي سليم الذوق والذهن، بعيدًا عن السفسطة وأخلاطها.
_ أوَّلا: عندما يقول: "فذكرتُ منها بعض ما صادفتُ". ماذا نفهم؟
هذا يعني أنَّ ما صادفه من نفي للروايات الصحيحة أكثرُ ممّا ذكَر، بدليل قوله: "بعضَ ما صادفتُ". وهذا البعض قد يكون مُساويًا لِما ذكر، وقد يكون أقلّ، وقد يكون أكثر. فقوله: "بعض"، لا يفتح باب الاحتمالات فحسب، بل يتضمَّن إبهامًا تشكيكيًّا مثيرًا للشبهة، إضافةً إلى كونه كلاما غير علمي لا يرتضى في مقام النَّقد الجادّ.
(يتبع ... )
ـ[الواحدي]ــــــــ[16 - Jul-2009, صباحاً 09:44]ـ
( ... تابع)
_ ثانيا: عندما يقول: "فذكرتُ منها بعض ما صادفتُ". وهو يقصد: ما وقع عليه نظره عرَضًا، من غير قصد.
فماذا نفهم؟
ترجمتُه: أنَّه لو أعْمَل النَّظر وقرأ نقد السيد للشعر والشعراء قراءةً متفحِّصة، لاكتشف غير ما ذكَر؛ بل لكان ما ذكَرَ غيضًا من فيض. لماذا؟ لأنَّ اكتشاف أخطاء بالصدفة في كلام ما: قرينة على كثرة الأخطاء فيه. وهذا تسنده التجربة، وهذا هو المفهوم من "استعمالات العرب" في لغتهم المعاصرة.
تستضيف مهندسًا معماريًّا لتقييم بناية ما، فيقول لك: "ما أن وصلتُ حتى اكتشفتُ مصادفةً عددًا من أخطاء البناء". وهذا يعني في عرفنا اللغوي: "ولو ركّزتُ ومنحتُ تقييمي الوقتَ اللازم لاكتشفتُ عشرات الأخطاء". وهذا معروف في كلام الناس، لا سبيل إلى المماحكة فيه.
وقد يعترض أبو قصي قائلاً: "إنَّ قولي: بعضَ ما صادفتُ" لا يعني الجزم بوجود أخطاء لم أصادفها، بل فيه إشارة إلى احتمال وجود تلك الأخطاء". وهنا أيضًا يقال له: إن الإيماء بالاحتمال في هذا المقام هو في ذاته إثارة للشبهة. وأدنى درجات هذه الشبهة أن يتشكَّك القارئ في كلام السيِّد كلِّه، لأنه لن يدري هل أخطأ فيه أم لا؟ ما لم يبصِّرْه أبو قصي بوجه الصواب في ذلك ...
ونقد السيِّد للشعر والشعراء يقارب العشرين صفحة. وإذا قلتَ لأحدهم: "تصفَّحتُه، فصادفت فيه بعض الأخطاء، وإليك بعضَها" ماذا سيفهم من كلامك: سيفهم حتمًا أنَّ الأخطاء التي لم تذكرها أضعافُ ما ذكرتَ؛ لأنَّ ما ذكرتَ، ذكرتَه على سبيل التمثيل، كما أنَّك اكتشفتَه مصادفةً، فماذا لو شمَّرت عن ساعديك ودقَّقت فيه النظر؟!
(يتبع ... )
ـ[الواحدي]ــــــــ[16 - Jul-2009, صباحاً 09:47]ـ
( ... تابع)
_ ثالثًا: قوله: "غير مستقصٍ، ولا مستوعب" يُفهَم منه: احتمال اكتشاف أخطاء بعد الاستقصاء والاستيعاب، واحتمال عدم اكتشافها.
ولكن، ما الذي يتبادر إلى الذهن عند سماع هذا الكلام؟ وما هي دلالة السياق؟
دلالة السياق تؤكِّد على أنَّ الاستيعاب والاستقصاء مِن شأنه أن يؤدِّي حتمًا إلى اكتشاف أخطاء أخرى؛ لأنّ ما أوصلت إليه المصادفة، من شأن التمحيص أنْ يؤدي إلى أكثر منه.
مثال: تسلِّم ورقة الامتحان إلى الطالب، وتقول له: "هذه بعض أخطائك، اكتشفتُها عرَضًا ودون أن أدقق في أجوبتك." فماذا يفهم الطالب وغيره؟ لا شك أنهم سيفهمون أنَّ الأستاذ لو دقَّق واستقصى في تصحيحه لأجوبة الطالب، لاكتشف "بلاوي" لا تُحصى ولا تُعَدّ.
لماذا؟ لأنَّ صياغة الخطاب وسياقه يدلاّن حتمًا على ذلك.
لكن، إذا كان الطالب تلميذًا مجتهدًا، وشَكَّ في أنّ الأستاذ لم يصحِّح ورقته على الوجه المطلوب .. واشتكى إلى والده .. ثم جاء الوالدُ المحترَم إلى الأستاذ (الذي يكاد يفقد حرمته)، وقال له: "هل قلتَ لابني إنَّ أجوبته مليئة بالأخطاء، وأنَّك لكثرتها اكتفيت بتنبيهه إلى بعض ما صادفتَه منها فقط؟ " ماذا سيجيب الأستاذ، وقد شعر بضغط الإلزام، وبما سينبني عليه مِن أحكام؟ لا ريب أنه سيقول: "ابنك وحده هو الذي فهم هذا. فأنا لم أجزم بوجود أخطاء أخرى، وإنَّما أشرتُ إلى احتمال ذلك. فقد قلت له "بالحرف الواحد": "هذه بعض أخطائك، اكتشفتُها عرَضًا ودون أن أدقِّق في أجوبتك." وهل سيصدِّقه والد التلميذ؟ لا، بطبيعة الحال ... بل سيقول له: "كان من واجبك أن تقرأ الأجوبة كلَّها، وأن تتأكَّد من تصحيحك؛ فهو في معظمه تخطئة لما هو صحيح. ثم إياك أن تكرِّر التشكيك في قدرات ابني بإلقاء الكلام على عواهنه! "
(يتبع ... )
¥