وكلامه الأوَّل مدحتُه مسلِّمًا له بأنَّه مِن بنات أفكاره. أمَّا الآن، فإنَّني أشك ... ولعلَّها من "المُكوس" التي افتكَّها من أحد عابري الطريق، حيث كان رابضًا .. أو لعلَّه أخذها من بعضهم عن طريق التراضي، بعد أن أهداه كأس شاي، فلم يحتج إلى تهديده برمحه "البلاستيكي" ...

وهذا، إن شئتَ الصِّدق، ممّا لا أحفل به ...

** قصة الصيد، وحُمر الوحش، وما رافقها مِن "كُمون"، و"غِرّة"، و"لكْز"، وإرسال السِّهام على "أحسن ما أنت براءٍ من البقر"، وما إلى ذلك ... أتركها للقارئ الفَطِن، لأنّها غنيَّة بالدلالات "السيكولوجية"، وهي بحقٍّ مفتاحٌ لفهم نفسية صاحبنا الرابض برماحه .. وكلُّ مَن له خبرة بنفوس الناس، أو اطِّلاع على مبادئ التحليل النفسي، يُدرك ذلك لا محالة ...

** ثم يقول صاحبنا واصفًا كلامي: "يصلح أن تقطَّع به الأوقات في المقاهي". وفي هذه أصاب! وهي من المرّات النادرة التي يصيب فيها!

ولم أتكلَّف ما كتبت، ولا استدعيتُه بالربوض الليالي ذوات العدد .. بل جاء كما توخَّيتُه: مسفِّهًا لمن سفَّه أحلام عدد مِن جلّة العلماء .. وأكبر أمنية الكتّاب: أن يتجاوز كلامهم المعاهد والجامعات ومجالس أهل العلم، ليصل إلى الشوارع والبيوت والمقاهي، فتتناقله الناس ...

ثم يقول: "لكنَّه لا يصلح في مجالس أهل العلم"! وهل كلامه من العلم في شيء؟ وإنّما خاطبناك بما يليق بمقامك وكلامك ... اتَّصلْ بكوكبة من أفاضل المحقِّقين، ثم اضرب لهم موعدًا .. فإذا انعقد "مجلس العلم"؛ قم ورمحُك في يمينك، ولا تهمزه كما همزتَ فهم العلماء، ثم قلْ: "السيّد صقر لم يفهم معنى الزيادة عند النحاة". قل هذه فقط .. أعفيك من الشناعات الأخريات .. قلها، واستمع إلى الجواب، ثم انقله إلينا مِن غير تدليس. وإنّني لأدعو الله لك أن يكونوا كلُّهم حفاةً ذلك اليوم، ولا أحد منهم يحمل معه عصا!!

** وقد جَعْجَع أخونا، كعادته؛ لكنَّنا لم نَر طحينًا! ثم وعدَنا بأنَّنا قد نشمُّ رائحة ذلك الطحين "بعد شهر، أو شهرين، أو سنة"! وظنّي أنَّنا، بعد انقضاء شهور، سنردِّد قول المجنون:

فهذي شُهورُ الصَّيفِ عنَّا قد انقصَتْ --- قما لِلنَّوى تَرمي بليلى المراميا؟!

و"إرجاؤه" هذا هو من أطرف أنواع الإرجاء، وسمِّه إن شئت "إرجاء الخوارج"! وهو لا يحمل إلا اسمًا واحدًا، يعرفه كلّ مَن أخذ نصيبًا مِن علم الجدل ...

وقد ظنّ أنّه طعن السيِّد في فهمه، والجوهريَّ وابن منظور في فصاحتهما، وعبد السلام هارون في أمانته، وأبا الأشبال في استقامة كلامه. ثم فتح عينيه، فاكتشف أنّ كلّ تلك المعارك الظافرة التي خاضها إنَّما كانت أضغاث أحلام .. فعاد ليربض على الطريق، مهدِّدًا برمحه ... لكنَّه هذه المرَّة ينبِّهنا إلى أنّ طعناته المقبلات سيأتين بغتة، "بعد شهر .. أو شهرين .. أو سنة"!

"خذوا حذركم، أيُّها السابلة"!

وما قال ذلك إلاَّ ليعود إلى سَنِّ سِنان رمحه، سَنًّا لا يترك لطعينٍ أملاً في الحياة ... لكنّه نسي أنّ رمحه من "بلاستيك"! وما كان كذلك، تضاءل حجمه كلَّما أمعنتَ في سَنِّه ...

(يتبع ... )

ـ[الواحدي]ــــــــ[15 - Jul-2009, صباحاً 10:57]ـ

( ... تابع)

** وفي الختام: ما هي قصة أخينا؟ هذه القصة التي "طالت .. وحالت .. واستطالت فمُلَّتِ"! القصة في حقيقتها: فيلم هزلي من الصنف "ب". وهذ ملخصُّها:

هي قصة فتى لم يلتفت إليه أبناء عشيرته منذ أن توهَّم أنّ له عشيرة، وأنَّه أحد أبنائها .. وظل الأمر على هذه الحال: هو يتأنَّق ويتجمَّل، وعشيرته لا تلتفت إليه ... وذات يومٍ، استبدَّ به العطش، فاتَّجه إلى الغدير ليروي غلَّته. ولمّا هوى ليغترف غرفةً بيده، رأى وجهه على صفحة الماء .. وهنا تيقَّن أنه أحسنُ أبناء عشيرته وجهًا، فجُنَّ جنونه! وبعد "شهر، أو شهرين، أو سنة" مِن التفكير المضني، قال في نفسه:

"إذا لم يلتفت إليَّ أبناء عشيرتي، فلعلَّ ذلك لعمش أو عمى في عيونهم. ولو رآني غيرهم، لاعترف لي بما أنا فخور به. ولكن كيف السبيل إلى أولئك الذين لو رأوني لأُعجِبوا بي؟ "

وفي هذه اللحظة، يبلغ فيلمنا الهزلي قمَّة التشويق والتوتُّر؛ لأنّ البطل سيتخذ قرارًا قد يغيِّر مجرى الأحداث ... وفي هذه اللحظة بالذات، يقف البطل، وينظر إلى السماء، ثم يقول: "لأتَّخذنَّ لهم موقعا! "

ويتخذ للمعجَبين به موقعًا .. لكن سرعان ما يعاوده الاكتئاب، لأنّ "الموقع" الذي اتخذه لم يقع موقعًا حسَنًا مِن قلوب الناس ... فيعود البطل إلى التفكير المضني ... وبعد "شهر، أو شهرين، أو سنة"، يهتدي إلى أنَّه ما من سبيل إلى أن يعرف الناس وجهه سوى بغزو المواقع الأخرى. فيسرِّح شعره "تسريحة ما حصلتش"، ويزيِّن وجهه غاية الزِّينة .. ثم يكرّ .. ويفعلها ...

فيقول له أحدهم: "قد تكون جميلاً .. وقد تكون تسريحة شعرك بديعة .. ولكنّك لم تكن مضطرًّا إلى الافتئات على "وضّاح اليمن" ولمز حُسنه."

فيغضب الفتى المُحسَّد، ويتحدَّى مَن تجرَّأ على انتقاده، ويقول له قولته الشهيرة: "أنا رابض لك على الطريق"، ثم ينصرف .. ويربض .. ثم يرفض أن يشارك في الفيلم الذي أخرجه هو، وكتَب قصته، وصنع أحداثه .. ويعتذر بكثرة الأشغال .. ويَعِدُ المنتِجَ (أي: نفسَه) أنه قد يعود إلى التمثيل بعد "شهر، أو شهرين، أو سنة"!

فيضطر المنتِجُ (أي: نفسه) إلى تجزئة الفيلم، فيُخرِج الجزء الأوّل منه، واعدًا الجمهور بإصدار الجزء الثاني بعد "شهر، أو شهرين، أو سنة" ...

وعنوان الفيلم هو: "كبير .. لا كالكبار"!!

** وبعد:

أظنّ أنّ الأخ استدرجني إلى هدر الوقت، بالرد على ما لا يستحق الردّ ..

لذا، فإنَّني لن أُردِف إساءتَه بالإساءة. ولن أعقِّب على كلامه إلاّ لردِّ فرية، أو كشف شبهة، أو إظهار حجَّة ..

ولْيعذرني الإخوة الكرام من أعضاء وزوَّار مجلسنا المبارك هذا، فقد اصطرَّنا أخونا إلى ما يشبه الحديث عن الذات. وما الأمر كذلك .. والله أعلم بالنِّيَّات ...

والله الهادي إلى سواء السبيل.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015