وهذه نصيحةٌ لصاحبِ هذا الكلامِ لعلَّه يقبلُها من أخٍ مشفقٍ عليهِ، حريصٍ على منفعتِه؛ وهي أن ينزِعَ عن مثلِ هذا العمَل؛ فإنه عمَل شاقٌّ لا يحسِنه كلُّ أحدٍٍ؛ إذ هو من أصعب ضروب الكتابةِ؛ ولعلَّه أصعبُها. ولم يكن الرجلُ الذي يحاول أن يتقفاه يستعملُ هذه الطريقةَ إلا بمهارةٍ، وحِذقٍ، وكانَ لها عندَه مقدارٌ معلومٌ ينتهي إليه، إذا جاوزته كانت تهريجًا محضًا، يصلُح أن تُقطَّعَ به الأوقاتُ في المقاهي؛ ولكنه لا يصلُح في مجالسِ العِلْم.

وهذه التعقيباتُ التي كتبَها لم يكتبها يتحرَّى بها الإنصافَ؛ فهذه كَذبةٌ لا مساغَ لها؛ وإنما كتبَها بنفسٍ موتورةٍ، حنيقةٍ. ولو أنا أحسنَّا الظنَّ به؛ فقلنا: إنه غضب للسيِّد صقرٍ أن أكونَ خطَّاتُه في مسائلَ، وقلتُ: إنه لم يفهم هذا المعنَى؛ فإن قصارَى هذا أن يكونَ غضَبًا لرجلٍ من الناسِ يخطئ، ويصيبُ.

فهل هذا أحقُّ بالغضبِ أم مَّن يرى رجلاً يقدِمُ على بعض الرواياتِ الصحيحة التي رواها جلَّة من العلماءِ؛ ثمَّ يقولُ: هذه خطأ، وهذه خطأ، وهذه خطأ!

هكذا بكلِّ جرأةٍ! غيرَ هيَّابٍ، ولا وكَلٍ!

عجبٌ لتلكَ قضيَّةً، وإقامتي ... فيكم على تلكَ القضيةِ أعجبُ

وأنا لا أنفي أني قد غضبتُ من هذا الفعلِ من صقرٍ – ولا ألامُ -، وكنتُ ودِدتُّ لو تحرَّى قبلَ الحُكْمِ؛ ولكن يبقَى له مع ذلكَ عندي التقديرُ، والإكرامُ. ولا تناقضَ بين هذينِ - كما سيتبيَّن إن شاء الله -.

أمَّا هذه الكلمةُ الفَجَّةُ التي لا يزالُ الأخ ومَن لفَّ لفَّه يردِّدُها؛ وهي (الكبار)، فلا قيمةَ لها عندي، ولا مكانَ لها في ميزاني؛ فالخطأُ يُردُّ على كلِّ أحدٍ كائنًا من كانَ، ومراعاةُ العلم أحبُّ إلينا من مراعاةِ الرجالِ؛ على أن كلمةَ (الكبار) كبيرةٌ، وفيها نظَرٌ قد لا يتبيَّنُ لبعضِ أهلِ هذا الزمانِ، لأنَّه لا يعرفُ معنَاها، وعلى من تُطلَقُ إلا الكبارُ، لا الصِّغارُ الذين يظنونَ هذه الكلمةَ (خردةً) تباع في سوق (الحراج).

أما القولُ بأنَّ هذا المحقِّقَ، أو العالمَ لم يفهم هذه القضيةَ، أو تلكَ، فلا ينقصُ من قدرِه، ولا يغُضُّ من مكانتِه. ولعلَّ القارئَ الكريمَ يراجعُ ردِّي رقم (9)؛ ففيه تأصيلٌ للنقدِ أرجو أن يَّكون نافعًا.

وللكلامِ بقيَّة ...

ومعذرةً إن تأخرتُ عن الردودِ؛ فإني إنما جعلتُها مستراحًا ألوذ إليه كلَّما أثقلني الجِدُّ، وبهظَني المللُ، ولم أجعل لها من وقتي إلا فضلَه؛ فلا غروَ أن تطولَ مدَّتُها حتى تبلغَ شهرًا، أو شهرينِ، أو سنةً. وسوفَ أتناولُ فيها إن شاء الله جميعَ المسائلِ بالردِّ العلميِّ المفصَّلِ، ثمَّ أبيِّن جهالاتِ الأخِ، وتخليطَاتِه، وسقوطَ استدلالاتِه؛ حتى إنه ربَّما أتَى بالنقلِ عن بعضِ العلماءِ يظنُّه حجةً له، وهو حجةٌ عليه؛ ولكَنْ هكذا يصنعُ الهوَى، وكذلك يفعلُ من اعتادَ النسخ، واللصقَ، ولم يكن له علمٌ سابقٌ يرجعُ إليه، ويعوِّل عليه.

ـ[الواحدي]ــــــــ[15 - Jul-2009, صباحاً 10:41]ـ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

أبدأ بالاعتذار إلى الإخوة المتابعين للموضوع: لن أضع عناوين لما سأسطره، لأنّ المحاكاة تُقرِف الأصيل ...

يحاول أخونا استدراجي إلى الإساءة بإساءات ... وبقلمه الرِّماحيِّ الرَّابضيِّ، يستميت في جرِّي إلى المهاترة والمناوشات، لينحرف الكلام عن المهْيَع إلى البُنَيَّات ...

والمهاتَرَة لها أوَّل، لكن لا آخِر لها .. وقد نُهِينا عنها.

وليس مِن سَمْتي الإساءة ولا المهاترة، ولكنّني لا أرتضي البهت من القول والفريةَ يلبَّسُ بها على الناس، وإن كان قائلها ومختلقها هو أوّلَ مكذِّبيها ...

يستغرب صاحبنا أسلوب كلامي، ويستكثره عليَّ. ومع ذلك، يصف بعضه بالسُّخف والهراء ... ولا لوم في ذلك على من أولِع برصف طنين الألفاظ البكماء، وتنزيلها على صفير المعاني الجوفاء. وإذا اجتمع طنين وصفير، غاب المعنى وبطلت حكمة التعبير، لانعدام التفكير.

لا ألومه .. بل سأحقِّق أمنيته، وأخاطبه بكلام له من شروط الكلام أدناها، فآتيه به: لفظًا مفيدًا كاستقِم. وأعلى طبقات الكلام: الكلام المعجز الذي لا يحاكى، وهو كلام الله عزَّ وجَلَّ، ومنه قوله تبارَك مِن قائل: "وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ، ولا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ".

وإنَّ لي فيما أزاول وأحاول لشغلاً عن التُّرَّهاتِ ... فلْأتركها للعقولَ الْمُشْعبات ..

وظَنُّ أخينا، بل أمنيتُة الخفِيّة، أنَّ قارئ الألوكة هو ممَّن "ليس في غريزته القدرةُ على النَّظر، والممايزة، والتمحيص". لكن هيهات! هيهات! نَطَق ناطق، وصمَت صامِت. وإنّما لسان الناطق في قلب الصامت، وقلبُ الصامت على لسان الناطق: كلانا عالِمٌ بالتُّرَّهات ...

فما هي فريات أبي قصي في مشاركته الأخيرة؟ وما هي التُّرَّهات التي يحاول إلهاءنا بها، ليشغلنا عن صلب الموضوع ولُبِّ المسألة؟

(يتبع ... )

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015