(ينمّ عن بصر حديد نافذ، وتقليب للنظر الناقد لكلام الكبار)
أصبحت:
(وقد قرأت ما جادت به قريحة "أبي قصي" المشاركة رقم:، [كذا] فعلمتُ أن الرجل لا يفهم ما يقرأ، ويقرأ ما لا يَفهم!).
فهذا خبرٌ نادرٌ لرجلٍ كانَ نقدُه ينم عن بصر حديد نافذ، ثم إذا هو بعدَ أيام فقطْ لا يفهم ما يقرأ، ويقرأ ما لا يَفهم.
وأحمدُ الله تعالى أنَّ عقلي ليس بيدهِ. إذن كنتُ أصبحُ في زمرةِ العقلاءِ أهلِ البصر الحديدِ، النافذِ، وأمسي في مستشفى المجانينِ.
ومثلُ هذا لا تستغرب إذا رأيتَه يلوي الحقائقَ!
و (يا سلام) على الإنصافِ!
والأخ الكريم – كما قلت عنه في ردّ سابق – أديبٌ، ألمعيّ، ذكي البيان؛ ولكنَّه لم يؤتَ الحكمةَ، وفصلَ الخِطابِ؛ فظنَّ بيانَه مغنيًا عنه شيئًا، وظنَّ أنه إذا جعلَ يُكثر الردود، ويغيِّر العناوينَ، ويلوِّنُها، ويكبِّرُها، قطعَ حجَّة خصمِه، وبكتَه، وانتصرَ لدوافعِه التي حملته على هذه التعقيباتِ. ووقعَ في وهمِه أنَّ الحوار في هذه المواضيعِ العسِرةِ لا يحتاجُ إلى أكثرَ من قراءةِ كتابٍ، أو كتابين من كتبِ النقدِ، معَ استصحابِ الإخلاص، والنيّةِ الصادقةِ غيرَ شكٍّ، وأنه متىَ فعلَ ذلك، فقد استكملَ العُدَّةَ، وأصابَ الآلةَ، وبلغَ المبلغَ الذي يؤمِّلُ، ولم يعجِزْه أن يحاورَ في أيِّ حديثٍ شاءَ؛ حتى وإن كانَ لا يعرِف فيه قبيلاً من دَبيرٍ؛ فأقدَمَ على القُحَمِ، وخاضَ:
... ... غمارًا تفرَّى بالسِّلاح، وبالدمِ ...
*** فخرَّ صريعًا لليدينِ، وللفمِ ...
ثم استزلَّه هذا الوهمُ الخادع عن نفسِه حتى كتبَ ما كتبَ، وأوغل به خيالُه حينَ رأى أنه يكتبُ من وراء جُدُرٍ، وأنه إذا كتب الردَّ في الحاسبِ، ثم رفع رأسَه، والتفتَ، لم يلقَ من يعترضُ عليه. ولم تزل نفسُه تمنيِّه، وتكذبُه حتى ظنَّ أنَّه محمود شاكر. وما دام هو محمود شاكر، فلا بدَّ أن أكون أنا لويس عوض. وإذن فالأمر صِراعٌ بين هذه الأمة وحضارتِها، وتراثِها، وبين أعدائها الذين يتربَّصون بها الدوائرَ، ويكيدونَ لها المكايِدَ.
وقد قدَّر الله عليَّ في ما قدَّر أن أقرأ كلامه هذا الذي سطَّرَه؛ فلم يزلْ يتردَّد فيَّ العجبُ: هذا الرجلُ معدودٌ في العقلاءِ؛ فكيفَ رضِيَ لنفسِه أن يأتيَ ما يأنَف منه العقلاءُ؟
ولم أجد لهذا جوابًا إلا أنَّ الأهواء متى ما استحكمت، واستمرَّ مريرُها، لم يميِّز المرء ما يأتي، وما يذر! أكان حقًّا، أم باطلاً، وكانَ له من هواه مثلُ الجدارِ الحاجزِ الذي لا يرى مَن بداخله ما وراءَه.
والرجلُ يسترُ ضعفَه العلميَّ بالظرفِ المتكلَّفِ السمْجِ؛ يحاوِلُ أن يتقفَّى بعضَ من أعرِفُه، ولا أحبُّ أن أذكرَه! ونعم! كان يأتي بالكلامِ المضحكِ، لا لما فيه من ظرفٍ؛ ولكن لخيبتِه. وهذا بعضُ كلامِه يتظارَفُ فيهِ، يقولُ فيهِ معلِّقًا على كلام بعض المعقبين عليَّ [الكلام بالأزرق، والتعليق بالأسود]:
"ومع ذلك (وأولئك، وهنَّ، واللواتي، والبتوع ... )، لم يقف السيد أحمد صقر (ولم يقعد، ولم ينم، ولم يرم نفسه في الترعة من شدة الخوف) ليقول من أنا (وأنا مين .. ) ومن أكون (وازّاي كنت؟ ويا ترى هل أنا كائن؟) حتَّى أردَّ (بالبوكس) على مَن هو (أقوى وأجدع) وأسنّ مني؟ (لأني خايف آخذ علقة ما تتنسيش .. ) "
انتهى النَّقل ... [قلتُ: والهراء المخجِل الذي أُقحمَ فيه].
وهذا الكلامُ الظريفُ (بالطبع) هو في رأيي أنجعُ عِلاجٍ للمبتلى بالسمنةِ، يقرؤه كلَّما نازعته نفسُه إلى الطعامِ، ليقدَعَها عنه.
والعجيب أنَّه اجتمعَ فيه كلُّ خفَّةٍ إلا خِفَّةَ الدمِ.
نعوذ بالله من تظارُف الثقيلِ، وثِقَل التظارُفِ.
وما من كلامٍ شريفٍ نبيلٍ إلا وأنت تستطيعُ أن تُدخلَ في متنِه مثلَ هذه التعاليقِ السخيفةِ.
¥