وهذه الإضافة أوْرَدتُها، لنلْحظ الفرق بيننا وبين "علماء زمان" .. ولو قرأ أحدنا كلامَ العيني، لشنَّع عليه أبشع تشنيع، ولاتَّهَمَه بأنه "لم يفهَم معنى الزيادة عند النحاة"!!
هذه المسائل ذكرتُها، لأنَّها متعلِّقة بالفهم.
* والمعنى: تناول الشيخ أحمد شاكر بالشرح قول أخي ذي الرمّة:
واسْتَنَّ فَوق الحَذارَى القُلْقُلانُ كَما --- شَكْلُ الشُّنُوفِ يُحاكَى بالهَيَانِيم
فقال (ص 530، هامش1): " ((كما شكل)) ما زائدة، أراد: كشكلِ الشُّنُوف"
وضبط الشكل بالضَّم ..
وكان الأوْلى، حسب السيِّد، أن يقول: "ما كافَّة"؛ لأنَّك إذا قلتَ: "ما زائدة" دون تقييد، فإنَّه يراد بها "ما" غير الكافة، فيكون الكسر من حق اللام، لا الضم. وفي أحسن تقدير، يظل المعنى مبهمًا ...
هذه هي الحكاية وما فيها ...
فلا أبو الأشبال أخطأ خطأ بيِّنًا في كلامه، ولا السيِّد كان مسيئًا (للفهم أو للتصرُّف) في استدراكه! الأوَّل يفترض في القارئ مزيد نباهة ليعلم أنّ مرادَه "ما" الكافّة، والثاني يفترض في المحقِّق مزيد تحوُّط في العبارة انسجامًا مع الاستعمال الدارج!
ويا دار ما دخلك شر ...
* يعني: الشيخ كتب ما كتب وفي باله أنّ الذي يقرأ من الأفذاذ، والسيد أومأ إلى الشيخ بأنَّه خالَف في هذه المسألة منهجَ الأفذاذ. وكلاهُما من الأفذاذ ... فما شأننا نحن؟
وكأنَّني أتخيَّل حوارًا طويلا بين أبي الأشبال والسيد حول تحقيق "الشعر والشعراء" .. وأثناء الحديث، وبينما كان السيّد يدني من فيه كأس الشاي ليرتشفه، قال لأبي الأشبال: "بالمناسبة، ما قصة "ما" الزائدة هذه التي ذكرتَها في الهامش، مع أنَّك رفعت قوله "شكل" في المتن؟ ألمْ يكن الأوْلى أن توضح، أو تقول: "ما" كافة؟ " فأجاب الشيخ: "هذه تركتُها لفهمك! " فقال السيِّد: "زادنا الله فهْمًا، ونفعنا بك! "
ثم ارتشف السيِّد رشفتَه المعلَّقة، فقال له الشيخ مداعبًا: "سكَّر زيادة؟ " فأجابه السيّد: "لا، اجعلها كافّة أحلى".
فابتسما .. ثم مضى كلٌّ منهما إلى عمله ...
وكان عملهم: التحقيق؛ لا اللّهاث وراء المحقِّقين الأفذاذ، والتعسُّف في تخطئتهم، ثم نشر ذلك كلِّه فوق السطوح ... كالذي ينشر ثيابه، كاشفًا عورته!
(يتبع ... )
ـ[الواحدي]ــــــــ[13 - Jul-2009, صباحاً 12:23]ـ
ففهَّمْناها سليمان ...
( ... تابع)
(7)
قَبْلَ العَشِيّ ...
شُهورٌ يَنْقَضِينَ وما شَعَرْنَا --- بأَنْصافٍ لَهُنَّ ولا سِرَارِ
فأَمَّا لَيْلُهُنَّ فَخَيْرُ لَيْلٍ --- وأَقْصَرُ ما يَكُونُ مِن النَّهارِ
وبعد، أخي أبا قُصَي ...
الآن وقد خفّ العتاب، يمكنني التحاور معك بضمير الخطاب ...
لقد قضيت في محاورتك وقتًا "كعصر العامريّة"، سقْيًا له من وقت .. فجزاك الله خيرًا.
أحببتُ فيك الشاعر .. وأحببتُ فيك الأديب .. لكن، أغضبني منك الناقد! لا كلُّ الناقد، بل شيءٌ منه ..
فالنقد من أمارات الفهم، والفهم هِبَةٌ من الله؛ لن يبارك لنا فيها إلا إذا أحسنّا استعمالها. ومن تمامه: أن نتفهَّم كلام أهل الفهم ...
والنقد: حُكْم. والحاكم مسؤول عن حكمه. قال الحسن البصري، رحمه الله في قوله تعالى: "فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ": "لولا هذه الآية، لرأيت الحكَّام هلكوا. ولكن أثنى على هذا بصوابه، وأثنى على هذا باجتهاده". قم إذن، وقبِّلْ جبينَ الحسَن، فقد أسعدك بتأويل من التنزيل!
والنقد رديف التمحيص. والتمحيص قرين التريُّث وتقليب النظر. وقديمًا كان لفظ "المحقِّق" إذا أُطلِق إنَّما يراد به الناقد لأقوال الناس وآرائهم. ولتمحيص أقوال الناس، لا يكفي أن نتثبَّت في صحَّة نسبتها إليهم، بل لا بد من تعليلها والبحث عن الباعث عليها. وأفضل النقّاد هو من يسوق الاعتذار عن مقالات العلماء. أمَّا إدانتهم بما قالوا، فكلُّ الناس تُحسِنه ...
والناقد الحق هو: مَن راعى مقام المتكلِّم وهو يمحِّص كلامه؛ لا تعصُّبًا له أو عليه، بل استصحابًا لحاله ...
ولولا ذلك "الشيء" الذي أشرتُ إليه، لما كان الذي كان .. ولكان نقدك كالنقد: قد يُقْبَل، وقد يُرَدّ عليه. والناقد في الحالتين مشكور مأجور ... فهو إذا أخطأ: أكَّد صحَّة كلام مَن انتقده بعد التمحيص. وإذا أصاب: نبَّه أهل العلم إلى الخطأ فاجتنبوه ...
¥