ـ[الواحدي]ــــــــ[12 - Jul-2009, مساء 09:35]ـ
( ... تابع)
إذن: ماذا قال أخونا أبو قصي في ردّه على كلام السيِّد؟
بعد أنْ نقل كلام السيِّد، وسطَر تلك الجملة التي ما كان ينبغي أن تُسطَر، سرد علينا درسًا كلامًا هو من النحو المدرسي، لا الدرس النحوي. وذكر لنا أنواع "ما" الزائدة، ومتى تكون كافّة، ومتى تكون غير كافّة .. كفانا الله الهمَّ والغمّ ...
وهو في ذلك لم "يَسْتَنْحِ" ولم "يَسْتَلْغِ"، بل نحا نحوًا حسَنَا. فجاء كلامه حسنًا، وجدّ حسن!
وهذا الكلام هو حدود العلم .. ولكن أين الفهم؟ الفهم وراء تلك الحدود ... وأوّل مراحله: فهم كلام العلماء على وجهه، لا على أذنك أو عينك.
إذا أطلق أحدهم الكلام وقال "و"ما" هنا زائدة". ما الذي نفهمه: "ما" الكافّة؟ أو غير الكافّة؟
وإذا أراد "ما" الكافَّة، هل يقول: "و"ما" هنا زائدة كافة"؟ أم: "و"ما" هنا كافّة"؟ أم يكتفي بقوله: "و"ما" هنا زائدة"؟
وإذا قال القدامى في كتبهم: "و"ما" هنا زائدة"؟ هل يريدون الكافّة؟ أو غير الكافَّة؟
لن أطيل الحديث ... ومن أراد أن يتبيَّن المسألة، فما عليه إلا الرجوع إلى كتب التفسير، وما ذكروه في قوله تعالى: "فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ الله لِنْتَ لَهُمْ" (آل عمران:159)، وكذا قوله: "فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ" (النساء:155)
لن أطيل ... وسأكتفي بنقل واحد، أراه يختصر علينا طريق البحث والفهم:
يقول القرطبي في تفسير قوله تعالى: "فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ الله لِنْتَ لَهُمْ":
""ما" صِلة. أي: فبرحمةٍ، كقوله: "عَمَّا قَلِيلٍ"، "فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ"، "جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ" ...
وليست بزائدةٍ على الإطلاق، وإنَّما أطْلَق عليها سيبويه معنى الزِّيادة مِنْ حيث زال عملُها."
تأمَّلْ ما تحته سطرٌ، تُدرك المراد ..
فالقدامى من مفسِّرين ولغويّين ونحاة، بل وكذلك عدد من المتأخِّرين، إذا قالوا –مثلاً- "ما زائدة" دون تقييد أو تخصيص، فإنَّ مرادَهم "ما" غير الكافَّة، لا الكافَّة. وبعض المفسِّرين يستنكف عن وصفها بالزائدة، ويسمِّيها صلة. وكذلك يسمِّيها ابن قتيبة في مصنَّفاته ..
بل حتى في المعاجم التي تفضَّل الأخ أبو قصي بنقل ما وجده فيها، تجد أصحابها إذا اكتفوا بوصف حرف بأنه زائد، أرادوا أنّه غير كافٍّ، أي لا يمنع الذي قبله من العمل. وبالنسبة لـ "ما"، تجدهم في غير الباب الذي فصَّلوا فيه الكلام حول اقترانها بغيرها من الحروف، اكتفوا بقولهم "ما كافّة"، ولم يقولوا "ما زائدة" أو "ما زائدة كافة".
ومَن أدام النظر في اللسان، أدرَك ذلك. أمَّا مَن سبَق لسانُه نظرَه، فذلك شأنُه ...
هذه واحدة ...
المسألة الثانية: هل استخدم أحمد شاكر في تحقيقاته أو كتبه عبارته تلك ("ما" زائدة)، وهو يقصد حصرًا ما الزائدة الكافّة عن العمل؟ المسألة تحتاج إلى تتبُّع، ووقت .. لكن ظنِّي أنَّ السيّد صقر آخَذه مِن هذا الباب ...
وإذا رجعنا إلى تحقيق تفسير الطبري، واستصحبنا –افتراضًا- أنّه لم يكن له فيه من عمل سوى المراجعة والتخريج، نجد مواضع عدَّة، ذكَر فيها المحقِّقان حروفا وُصِفَت بالزيادة، بمعنى أنّها ملغاة لا عمل لها، لا بمعنى كونها كافّة. والمقام يضيق عن ذكر الأمثلة ... وهذا ممّا يقَوِّي الظن الذي ذكرتُه في السبب الذي دعا السيِّد إلى الاستدراك على أبي الأشبال ...
هذه الثانية ...
(يتبع ... )
ـ[الواحدي]ــــــــ[12 - Jul-2009, مساء 10:49]ـ
( ... تابع)
_ المسألة الثالثة:
إذا رجعنا إلى كتب بعض القدامى، نجدهم يستعملون "ما" الزائدة في مقابل "ما" الكافة. أي: إذا كانت "ما" زائدة غيرَ كافَّة، قالوا: "و"ما" هنا زائدة"، وإذا كانت كافَّة، قالوا: "و"ما" هنا كافَّة". وهذا تجده كثيرًا في "الخزانة"، وتجده أيضًا في "شرح الرَّضِيّ". وفي "رسالة الغفران" فقرة تُظْهِره بجلاء لذي عينين (ابتسامة).
وسأكتفي بهذا النقل عن "الخزانة" (الشاهد 799) لتوضيح المسألة:
"رُبَّمَا ضَرْبَةٍ بِسَيْفٍ صَقِيلٍ --- بَين بُصْرَى وطَعْنَةٍ نَجْلاءِ
على أنَّ "ما" المتَّصلة بـ "رُبَّ" فيه زائدةٌ، لا كافَّة. ولذا عملتْ "ربَّ" الجرّ في "ضربةٍ".
ثم أضاف: "ومِن العجائب قول العيني: كلمةُ "رُبَّ" دخلتْ عليها "ما" الكافَّة، ولكن ما كفَّتها عن العمل هاهنا، ولهذا جرّت "ضربة". (انتهى)
¥