ـ[الواحدي]ــــــــ[12 - Jul-2009, مساء 07:28]ـ

ففهَّمْناها سليمان ...

( ... تابع)

(6)

"ما" الزائدة ..

مزايدات للتنقُّص ...

"لم يفهم السيد صقر معنى الزيادة عند النحاة"!!

هذه الجملة هي القطرة التي أفاضت الإناء، واستدعت العتب، وأثارت فيَّ شيئا من الغضب؛ وهو من جنس غضب الأخ على أخيه، ينتهي عادةً بعناق ...

كلّ الأحكام التي بعثرها أبو قصي يمينًا وشمالاً في حق أفذاذ اللغة والتحقيق يمكن أن تجد لها وجهًا يخفِّف مِن حدّتها، إلاَّ هذ الحكم .. فهو كالحنظل .. وقد أهدانا إياه أبو فيصل مجَّانًا، لأنه أخذه مجّانًا ..

وهذه الجملة هي مِن جنس "الذي حارت البريّةُ فيه"، حيَّرتْني كما حيَّرتْ أبا العلاء؛ لكن على عكس ما قال في عجُز بيته الشهير ...

وكلَّما دخلتُ "النت"، ضحكتُ .. وتذكَّرتُ قولَ شيخ المعرَّة:

رُبَّ قبْرٍ قد صار قبرًا مرارًا --- ضاحكٍ مِن تَزاحُمِ الأضدادِ!

وهذه قصة أخرى ...

ولكي نسبر أغوار حكم أخينا أبي قصي على السيّد، لنسافرْ –بشيءٍ من "الطَّيِّ"- إلى هضبة "التبت"، ولْنجلس جِلسةَ المتأمِّلين، ولْنَغُص في أعماق تلك الجملة الموجعة ... ولْنتساءلْ:

أين درس السيّد صقر؟ في الكتَّاب، لكنه لم يتمم دراسته، لأنّ "سيدنا الشيخ" طرده وقال له: "رُح يا بني، إنت ما بتفهمش"؟

هل درس في "السربون"؟ أو "الجامعة الأمريكية"؟

هذا سؤال ...

السؤال الثاني: ما هو اختصاص السيِّد صقر؟ بائع في "سوق الخضار" يستقبل "اللجاجات"؟ أم تراه كان سمكريًّا .. وفي أحد الأيام حدث انسداد في مجرى من مجاري المياه في مطبخ أحمد شاكر، فاستدعاه؛ لأنه اختبره واتيقَّن أنّه "يلجّ" في تسريح الأنابيب. وبينما كان السيّد مقبلاً على عمله، احتاج إلى الورق. فالتفت، فرأى كتابًا على طاولة المطبخ، فتناولَه، ثم ألْقى عليه نظرة .. ومن سوء حظ أبي الأشبال أنّ تلك النظرة وقعت على الصفحة رقم 530 والهامش الأوَّل منها .. وبعد أن تدبَّره هرع إلى الشيخ، وقال له كذا وكذا ..

وحتَّى لا نطيل التأمُّل، لنختصر المسافة ولْنقل: إنَّ كلاما كذاك الكلام، لا يقوله إلا مَن جهل أو تجاهل مقام "السيِّد"، وسيرته، وإنجازاته، وشهادة كبار العلماء له ...

ولْنفرض أنه نسي كلَّ دروسه الأزهرية، ومئات الكتب التي قرأها قراءة تحصيل وتدبّر .. لنفترض هذا وغيره من المستحيلات ... أليس هو مَن حقَّق "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة؟ وفي "التأويل" باب طويل عريض، عنوانه: "باب تكرار الكلام والزيادة فيه"، يتجاوز العشرين صفحة (من الصفحة 243 إلى الصفحة 254)، وفيه فصل مفرَدٌ للحروف الزائدة (ص243 - 254). أيُعقَل أنَّ السيِّد حقَّق هذا الباب كلَّه، مع أنَّه "لم يكن يفهم معنى الزِّيادة عند النُّحاة"؟

ممكن ... لكن!

افتح يا بُنَي الصفحة 250 من "المشكل"، واقرأ ماذا يقول ابن قتيبة؟

يقول:

"و"على" قد تُزاد. قال حُمَيد بن ثَوْر:

أبى الله إلاَّ أنَّ سَرْحةَ مالكٍ --- على كُلِّ أفْنانِ العِضَاهِ تَرُوقُ"

طيّب! اقرأ الآن الهامش رقم 6 من الصفحة نفسها. ماذا يقول ذلك الرجل الذي "لم يفهم معنى الزيادة عند النحاة"؟

يقول:

"وإنَّما جعل "على" في هذا البيت زائدة، لأنَّ راق يروق لا يحتاج في تعدِّيه إلى حرف جر، إنما يقال: راقني الشيء يروقني. فالمعنى: يروق كلَّ أفنان".

طيِّب! لكن يحتمَل أنّ السيّد فهم "معنى الزيادة عند النحاة" في كلِّ الكتب التي قرأها، وكلِّ الكتب التي حقَّقها؛ لكنَّه أمام هيبة أبي الأشبال، نسي كلَّ ذلك، فـ"لم يفهم"!

ممكن ...

لِنرْجع الآن إلى كلام "السيِّد" في نقده للشعر والشعراء. ماذ يقول؟ يقول (ص 23):

"وإذا كانت "ما" زائدة كما قال الأستاذ فلماذا ضبط الشَّكل بِضَمِّ اللام والصواب "كما شكل" بكسر اللام."

وهنا جملة من التنبيهات يقتضيها المقام:

_ أوَّلا: ما نقلناه من كلام السيِّد قاله عرَضًا، ولم يُفرِد له فضلاً من مقاله. فهو لا يتجاوز سطرًا ونصف، ضمن فصلٍ يتجاوز الأسطُر العشر. فالتشبُّث به، وتكبيرُ بالمجهر حيفٌ مِن هذا الوجه.

_ ثانيًا: الكلام جاء ضمن مقالٍ، ومن خصائص المقال الإيجاز. ولو كان ضمن كتاب، لذكر الأسباب التي دعته إلى استدراكه، ولعلَّل ووجَّه كلامه.

_ ثالثًا: إذا طالعت كتابًا ما، لا سيّما ما ألّفه القدامى، وقرأت فيه: "وما هنا زائدة". ماذا تفهم؟

وهذا يعيدنا إلى كلام الشيخ أحمد شاكر وماذا قال. وهو في الهامش رقم 1 من الصفحة رقم 530.

وكلامه جاء في تعليقه على قصيدةٍ لهشام أخي ذي الرّمَّة، قال عنها ابن قتيبة: "ولم أذكر هذا الشعر لأنه عندي مختار، ولكن ذكرتُه لأنّي لم أسمع لهشام بشعرٍ غيرِه." فعلّق الشيخ شاكر: "وليته لم يفعل! " وكأنّه يتنفس الصعداء بعد طول جهد ...

فالقصيدة مدلهمَّة الألفاظ والمعاني .. ومن لطيف المناسبات: أنّ ابن قتيبة أعقبها بهذا البيت لذي الرّمّة:

إذا انجابت الظَّلْماءُ أضْحَتْ رؤوسُها --- عليهنَّ من جَهْد الكَرَى وهْي ظُلَّعُ!!

ثم روى أنَّ ابن أبي فروة قال لذي الرّمّة: "ما علمتُ أحدًا من الناس أَظْلَعَ الرؤوسَ غيرَك. قال (ذو الرّمّة): أَجَلْ."

سبحان الله!

القصيدة إذن ممّا "يُظلِع الرؤوس" ...

وفي ضبط الشيخ أحمد شاكر، رحمه الله، لهذه القصيدة وتعليقه عليها أربعة مواضع أُخَر، غير التي ذكر السيِّد، تقتضي التعقيب والاستدراك. لكنّني لن أذكرها، اتِّقاءَ أن يقرأها بعضُهم، فيبني عليها موضوعًا يُنشَر في منتدى من المنتديات، ثم يصيح فوق السطوح: "لقد اكتشفت لأحمد شاكر أربعة أخطاء في تحقيقه للشعر والشعراء! وشاكر من كبار المحقِّقين، لكنَّه "لم يفهم معاني ألفاظ الشعراء" .. وأنا اكتشفتُ له أربعة أخطاء "مصادفةً"، "غير مستقصٍ ولا مستوعب"! إذن أنا كبير مثله، بل خيرٌ منه! " ثم يأتي آخر، ويصعد إلى السطح ويُناصره .. ثم يأتي ثالث ورابع .. ثم يؤسِّسون جمعية، ويسومُّنها: "نادي الأخطاء الأربعة" .. ثم ... يخرُّ السقف، ويهوي الجميع!

أين كنّا؟ آه! نعم ...

إذن، ماذا كتب الشيخ أحمد شاكر في هامش الصفحة 530 من "الشعر والشعراء"؟

ولكن، قبْلَ ذلك، ماذا قال أخونا أبو قصي في ردّه على كلام السيِّد؟

(يتبع ... )

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015