وبالمختصر المفيد: الضَّرْح يراد به: مطلَق التنحية والإبعاد والمباعَدة والتباعُد والإزالة والدَّفع، سواء تعلَّق ذلك بكبير الجرم أو صغيره، بالعاقل أو بغير العاقل، وبالحسِّيِّ أو المعنويِّ مِن المبعَدَات، حقيقةً أو مجازًا.

هذا الضرح، وانتهينا منه .. أضْرَحَنا الله عن "وجع الدِّماغ" ...

الآن، ننتقل إلى توجيه معنى البيت، إذا أثبتنا "لمْ يُضْرِعْ":

(يتبع ... )

ـ[الواحدي]ــــــــ[11 - Jul-2009, مساء 11:53]ـ

( ... تابع)

الآن، ننتقل إلى توجيه معنى البيت، إذا أثبتنا "لمْ يُضْرِعْ":

وقد شرحه الشيخ أحمد شاكر بمعنى: الذل والتخشُّع، ثم قال: "فالمراد هنا: إن لم يمنع نفسه عن اللؤم ويغلبها". وفي هذا الشرح شيء من "الطفرة" و"الكسب الخفِي"! هكذا يبدو ... لكن مراد الشيخ واضح، وهو: أنَّ المرء إذا لم يُخْضِعْ نفسَه لتبتعد عن اللؤم، فلن يجد إلى حسن الثناء سبيلا. ولو أسعفته كلمة "أخضعَ" مرادفًا لأضْرَعَ، لاتَّضح المقصود.

ويؤيِّد كلام الشيخ ما في "النهاية" لابن الأثير. قال: "وفي حديث سلمان رضي الله عنه: "قد ضَرِع به"، أي: غَلَبَه." وهو شاهد قوي ...

كلام الشيخ إذن من حيث معناه ومقصده: واضح كلّ الوضوح لمن تأمَّله؛ لا كما زعم الأخ أبو قصي، واصفا إياه بأنَّه "ليس مستقيمًا كلَّ الاستقامة"! هدانا الله إلى صراطه المستقيم ...

وبعد هذه اللّكمة الخفيَّة الموجَّهة إلى عقل الشيخ، يأتي التخبيط والتخليط من أبي قصي، فيقول:

"والصَّواب: (إن لم يُذِّلَّ نفسَه عن اللؤم) أي: (مباعِدًا لها عن اللؤم) كما تقدَّم."!

يا سلام! ما هذا العربي الفصيح!

اسمع جيِّدًا: "أذلَلْتُ نفسي عن اللُّؤم". ثم سافِرْ عبْرَ الزَّمن، واسأل كلَّ الأعراب منذ أن وُجِد الأعراب .. اسألهم عن هذا الكلام: هل هو عربي؟ أم تركماني؟

كلامٌ كهذا لا يقوله إلاَّ مَن أزْمَنَتْه ضَعْفَةُ المتأدِّبة، ممّن "يستنحون" كثيرًا، و"يستلْغون" فوق ذلك!

وفي لسان أخينا أبي قصي وحده يتعدَّى الفعل "أذَلَّ" بـ "عن". ولسنا ندري .. فهو "يعرف في النحو"، والسيد صقر "لا يفهم ما يريده النحاة"!!

وطاف الأخ أبو قصي مشارق الأرض ومغاربها تهرُّبًا من الضَّرح، ثم عاد ليقول إنَّ أضْرَعَ معناها: أذّلَّ، وأذَلَّ تعني: باعَدَ. يعني: فرَّ من الضرْح ليقع في فيه!

دعك من هذا ...

وما ذكره الشيخ أحمد شاكر شرحًا لرواية "لم يُضْرِع عن اللؤم نفسه"، لا يصح إلا إذا ثبت في كلام العرب استعمال: "أضْرَع عن" بمعنى: "مَنَع عن" أو "غَلَب". ولعلَّ هذا هو الذي دفع بالسيِّد إلى اختيار "يُضْرِح" بدلاً عنها. فاللغة واستعمال العرب يؤيِّدان كلام السيِّد. أمّا كلام الشيخ، فيحتاج إلى شاهد يدعمه، غير الذي ذكرتُه مِن قبْلُ ...

وقرأت في "النهاية في غريب الحديث": "المضارَحة: وهي المقابلة والمضارَعة". لكنّني وجدت الزمخشريّ يقول: "المقابلة والمعارَضة". وكلام ابن الأثير أوردَه شرحًا لكلمة "الضُّراح"، فلعلَّ المضارعة هنا تعني المضاهاة بين البيت المعمور والكعبة، أي أنَّ الضُّراح يقابل الكعبة ويُشبِهها مِن هذا الوجه.

* قبل أنْ نَنْضَرح:

والمعنى: السيِّد صقر تكلَّ بعلم، وله من لغة العرب ما يؤيِّد كلامه بقوّة. والشيخ أحمد شاكر تكلَّم بعلم أيضًا، وحجَّته المخطوطات، وكذلك بصيص مِن لغة العرب ...

يعني: اثنان جالسان على قمَّة الهمالايا، يتحاوران بلغة الإشارة عن مسائل ما وراء التحقيق .. وثالث "رابض" في السفح، يشغِّب عليهما ويهوِّش، مع أنّه لم يفهم كلامهما، بل لم يسمعه!!

ولكن، هل سمعاه؟!

وفوق كلّ ذي عِلمٍ عليم ...

(يتبع ... )

بعد ساعة أو ساعتين، بإذن الله تعالى ...

ـ[الواحدي]ــــــــ[12 - Jul-2009, صباحاً 03:40]ـ

* تنبيه:

( ... تابع)

... ومن المحتمل أن يكون أبو قصي تلقف هذا الكلامَ مِن بعض عابري السبيل .. لكن، لنتأمّلْه على أنّه من نتائج تعقيباته النقدية ...

صدَق الحدس!

أسعفني الآن أحد الإخوة الأفاضل بنص كلام التبريزي في "شرح المعلَّقات العشر"، وهو في الصفحة 27 من نشرة فخر الدين قباوة (دار الفكر 1997). وهو مطابق لِما ذكره ناصر الدين الأسد في كتابه. لكن المدهش أنَّ مضمون الانتقاد الذي وجَّهه أبو قصي إلى عبد السلام هارون ليس إلاّ ما ذكره "قباوة" ... أقول المضمون، لا الألفاظ!

وتأمَّل كلام "قباوة"، ثم قارنْه بكلام الأخ أبي قصي:

"وقد تصرَّف الناشرُ في عبارة الأصمعي، خلافًا لما في النسختين اللتين اعتمدهما. أمّا النحّاس، فقد علَّق على البيت الثالث بقوله: والصحيح أنه منحول. ثم قدَّم للبيت الرابع بقوله: "قال الأصمعي: الأعراب تروي فيها". (الصفحة 25، الهامش رقم 5)

فالمحقّق أشار إلى ما هو موجود في شرح الأنباري وإلى شرح النحَّاس، ولم يحرِّر المسألة. وهي مسألة تحتاج إلى مزيد نظر وتمحيص ...

أمَّا قوله: "وقد تصرف الناشر في عبارة الأصمعي، خلاقًا لما في النسختين اللتين اعتمدهما." فهو نقلٌ أمينٌ لما هو موجود في نشرة عبد السلام هارون؛ لم يُتبِعه بحكم أو اعتراض، لم يقل: "أفسد المعنى" أو "قلبَه" ...

وللحديث بقية

(يتبع ... )

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015