قال السيد صقر (مقدمات "الشعر والشعراء"، ص27):

"4_ الفقرة (1080) "ودكين هو القائل:

إذا المرءُ لم يدْنسْ من اللؤم عرضُه --- فكل رداء يرتديه جميلُ

وإن هو لم يَضْرَعْ اللُّؤمِ نفسَه --- فليس إلى حسن الثناء سبيل"

قال الشيخ في شرحه: "أصل الضرع _ بفتح الراء _ الذل والتخشع، يقال: ضرع له وإليه: استكان وخشعَ، فالمراد هنا: إن لم يمنعنفسه عن اللؤم، ويغلبها ". قلتُ: والصواب: "إن هو لم يضرح عن اللؤم نفسه"، جاء في اللسان 3/ 357 "الضرح: التنحية. وقد ضرحَه: أي نحَّاه،ودفعَه " (انتهى)

وهنا أشير إلى تدليس خفيٍّ مكشوف مشين لجأ إليه أبو قصي:

في الأصل (ص27): "لم يَضْرَعْ". لكن في متن الكتاب (ص 612): "لم يُضْرِعْ". وهذا يعني أن الشيخ أحمد شاكر صوَّب ضبطه للكلمة في الطبعة الثانية.

ثم يأتي أبو قصي، ذاك الذي يرفض إضافة حرف واحد في التحقيق، فيُثبِت تصويب الشيخ في كلام السيِّد! وما فعل ذلك إلا ليستقيم له توهيم السيِّد "كُلَّ الاستقامة"!

وبعد ذلك يردّ على السيّد في هذه المسألة. وهذا ملخَّص ردِّه:

_ الضَّرْح: لا يعني التنحية.

_ التنحية هي: إبعاد الأشياء الكبيرة الجِرم برِفق.

_ الضَّرْح هو: إبعاد الأشياء الصغيرة الجِرم بعنف.

_ المشترك بين الضَّرح والتنحية هو: الإبعاد.

_ الضرح: الرمي.

_ الضرح: الطرح.

_ الضرح لا يعني: الدَّفع.

بعد هذه المقدّمات السبع، تأتي نتيجة أبي قصي:

(لا يقال "ضرَح الإنسان عن نفسه اللُّؤم"، كما لا يقال "رمى الإنسان نفسَه عن اللؤم")

وهذه الطريقة في الاستدلال هي عين طريقة السفسطائيين: الفأر له أذنان، والفأر على الحائط، إذن= للحائط أذنان!!

بل السفسطائيون أفضل، لأنهم ينطلقون من مقدمات سليمة؛ أمّا أبو قصي، فمقدِّماته ذاتها خاطئة!!

ولن نسأل أبا قصي: مِن أين له أنّ التنحية هي "إبعاد الأشياء الكبيرة الجِرم برِفق."؟ ومِن أين له أنَّ "الضَّرْح لا يعني الدفع"؟

بل نكتفي بهذا النقل عن "الميداني"، حيث يقول بعد إيراده لقول العرب: "ضرحَ الشَّموس ناجزًا بناجز":

"الضَّرحُ: الدَّفْعُ بالرِّجْل. وأصله: التنحية. يُضرَب لمن يُكابِد مثلَه في الشَّراسة."

فأين الرِّفق؟

وفي "الكتاب": "وأمَّا طردته، فنحَّيته. ( ... ) وطردت الكلابُ الصيدَ، أي: جعلت تنحِّيه".

فأين الرِّفق؟

ورِفْقًا بعمرو ... لن أذهب بعيدا ... في "الشعر والشعراء" (ص 224) قول الأفْوَه الأودي:

"والخيرُ لا يأتي ابتغاءً به --- والشرُّ لا يُفْنيه ضَرْح الشَّموس"

قال الشيخ أحمد شاكر: "والضرح: التنحيةُ والدَّفع".

فهل أخطأ الشيخ شاكر في "فهم استعمالات العرب"؟

يا شييييييخ!

ولو لم يكن في كلام العرب كلِّه إلا هذا البيت، لكفى به حُجَّةً قويَّة لما ذهب إليه السيِّد صقر. لماذا؟ لأنّ فيه ثبوت استعمال الضرح بدلالته المجازية المعنوية، وضرح الشرِّ قريب من ضرح اللُّؤم.

ولا يداني البيت المذكور قوَّةً إلا بيت قول رؤبة:

باعَدَ عنك العَيْبَ والتدنِيسَا --- ضَرْحَ الشِّمَاسِ الخُلُقَ الضَّبِيسَا"

بل قول رؤبة أقوى دلالةً ...

وفي "المعاني" لابن قتيبة: "والضَّرُوحُ: النَّفُوحُ برِجْلَيه. يقال: اضْرحْ عنك هذا الأمْرَ، أي: نَحِّه عنك."

فهل سيزعم أبو قصي أنّ ابن قتيبة "لا يفهم استعمالات العرب"؟ أو أنَّ شرحه "ليس مستقيمًا كُلَّ الاستقامة"؟!

(يتبع ... )

ـ[الواحدي]ــــــــ[11 - Jul-2009, مساء 11:46]ـ

( ... تابع)

وفي "أدب الكاتب": " والضَّرْحُ: الرَّمْحُ. ضَرَحَ أي رَمَحَ؛ لأنه إذا ضرح باعدَكَ."

ومن شعر أبي تمام:

ضَرَحَ القَذَى عَنْها وشَذَّبَ سَيْفُهُ --- عنْ عِيصِها الْخُرَّابَ والْخُبَّاثَا

قال التبريزي (اللي ما هوّاش لص كبير!) في شرح الديوان: "يقال: ضَرَحَ القذى، إذا أزالَه ودَفَعَه".

وجاء في "نهاية الأرب"، في أسماء القوس (العذراء!): "ضَرُوح: وهي الشديدة الحَفْزِ والدَّفع للسَّهم. طروح: البعيدة المرمى." ثم قال: "طَروح مثل ضَروح".

وسُمِّي الضُّراح ضراحًا، لأنَّه ضَرحَ عن الأرض إلى السماء، كما قال الزمخشري. ويقال "نيَّة ضَرَحٌ أو طَرَحٌ، أي: بعيدة.

وتقول العرب: "بيني وبينهم ضَرْحٌ، أي: تباعُدٌ. و"انضرَحَ ما بين القوم"، أي: تباعَدَ

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015