وكلام التبريزي، على أيِّ وجهٍ حملناه، لا يتطابق إطلاقًا مع ما ذهب إليه أبو قصي ...
وهنا يبرز الفرق بين المحققين الأفذاذ، والمحققين المدرسيّين .. بين الذين يستحضرون كل معارفهم لقراءة النصوص، والذين يكتفون باستنساخ النصوص لأنهم لا معارف لهم؛ .. بين الذين لانت لهم المَلَكة، والذين مبلغ علمهم لا يتجاوز الحدود الأربع للمخطوط .. بين الذين أوتوا الفهمَ، والذين حبستهم أسطر العلم ...
(يتبع ... )
ـ[الواحدي]ــــــــ[11 - Jul-2009, مساء 10:16]ـ
* ثانيا:
قدَّم لنا أبو قصي، مشكورًا، درسًا في كيفية استخدام النُّسخ المتعدِّدة للمخطوط الواحد ... وكأنّ السيِّد صقر كان يجهل أصول هذا الفنّ أو يتجاهلها! ومصدر هذا الوَهم أنّ أبا قصي رأى السيّد يحكم بالخطإ على بعض ما جاء في مرويّات "الشعر والشعراء"، فظنَّ أنه يتجاهل النُّسَخ المخطوطة، أو يصحِّحها استنادًا إلى كتب أخرى، أو "لمكان الإلْف والعادة من نفسه" ... وهذا الكلام لا يقوله إلا مَن لم يقرأ تحقيقات السيِّد، أو لم يتأمّلها حق التأمل.
وأكتفي في هذا المقام بالدعوة إلى مراجعة مقدّمته للإلماع، وإدمان النظر في الصفحتين: 25 و26.
ثم إنَّ كلام السيّد لا يعني أنه يتجاهل نُسَخ المخطوط في التحقيق، بل هو يدعو إلى الترجيح بينها، واختيار ما كان موافقًا لسياق ولغة الكتاب. وإذا تبيَّن للمحقق أن النُّسخ تتايعت على لفظ أو حرف تأكَّد لديه أنّه خطأ محض، أثبت ما رآه صوابًا، وأشار إلى الباقي.
عندما يجد محقِّق، مثلاً: "ودَوَّار: شجر في اليمامة" في نسختين من الكتاب، فيبحث عن الكلمة، فيجد في معجم البلدان أنّها "سجن" لا "شجر"؛ هل يعطِّل عقله ويُثبت ما أخطأ فيه النُّسَّاخ؟ أم العكس؟
تلك هي المسألة ...
وكلام السيِّد ورَد في مقال، والْتزم فيه الإيجاز؛ ولم يرِد في تحقيقه هو للكتاب حتّى يؤاخَذ به. وكلامه كان موجَّهًا إلى أهل الفنِّ، لا المبتدئين ...
أمَّا مسألة اختلاف الرِّوايات، فالشيخ أحمد شاكر نفسه صرَّح بوقوع ذلك، إذ قال (ص6 من المقدمة): "والروايات في الشعر وفي نصوص المتقدمين تختلف كثيرًا، كما يعرف كل مشتغل بالعلم أو بالأدب." لكن منهجه يختلف عن منهج السيّد صقر. والسيّد في هذا الباب أقرب إلى أبي فهر منه إلى أبي الأشبال ....
ثم إنّ نهج السيِّد ليس مبتدعًا في هذا الباب، بل ابن اقتيبة نفسه كان يسلكه في تمحيص الروايات. وإليك، على سبيل التمثيل، هذا النص في "الشعر والشعراء" (ص98):
" وقد يُضْطَرُّ الشاعرُ فيسكِّنُ ما كان ينبغي (له) أن يحرِّكه، كقول لَبِيد:
( ... )
وكقول امْرىء القَيْس:
فاليوْمَ أَشْرَبْ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ --- إثماً مِنَ اللهِ ولاَ واغِلِ
ولولا أنَّ النحويِّين يذكرون هذا البيت ويحتجُّون به في تسكين المتحرِّك لاجتماع الحركات، وأنَّ كثيراً من الرواة يروونه هكذا، لظننتُه:
فاليَوْمَ أُسْقَى غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ".
ولْيتأمَّل أخونا أبو قصي إضافة (له) بعد "ينبغي"، ولْيُحاسب الشيخَ على ذلك!
ولْيقرأْ الكلام الذي يلي هذا الذي نقلتُه، ثم ليعطنا رأيه ...
وفي "الشعر والشعراء" (ص 812):
"ومما يُستحسن له (لأبي نواس) في الخمر قوله:
لا تَشِنْها بالَّتى كَرِهَتْ --- هِىَ تَأْبَى دِعْوَةَ النَّسَبِ
يريد لا تطبخها فتخرجَ عن اسم الخمر، فيقال: مطبوخ، أو نبيذ، أحسبه قال: "لا تَسُمْها بالَّتي كرهتْ"، فهو أحسنُ وأَشبه بالمعنى من "تَشِنْها" فإن كانت الرواية "لا تَشُبْها" فلعله أراد لا تَمْزُجْها بالماء، فإنها تأْبى أن يقال خمر وفيها ماء، فكأَنها ادَّعت غير نَسَبها، وهو معنىً حسنٌ."
أرأيتَ؟!
إنَّ الذي يتوقَّف عند اللّفظ واحتمالات تصحيفه، يستبعَد أن يروي:
وإنْ هو لمْ يُضْرِعْ عن اللُّؤمِ نفسَه --- فليس إلى حُسْنِ الثَّناء شبيلُ
ثم لا تستوقفه "يضرع"، ولا يعطيها حقَّها من الشَّرح والإبانة ...
وحتى لا أطيل الكلام: الشيخ أحمد شاكر يرى أنّ رواية ابن قتيبة ليست أقل شأنًا من روايات غيره، فلا يصح أن نقوِّمَها بروايات الآخرين. لكن ما نعته الشيخ برواية ابن قتيبة، قد لا يكون روايته كما أثبتها هو، بل من وَهْم النسّاخ. فالاحتمال وارد .. وهذا الذي أراده السيّد. هذه واحدة ...
¥