" 3_ تَرَى بَعَرَ الأرآمِ في عَرَصَاتِها --- وقِيعَنِها كأنَّه حَبُّ فُلْفُلِ"

ثم شرح ألفاظ البيت. وبعد ذلك قال: "وروى هذا أبو عبيدة. وقال الأصمعي: هو منحول لا يُعرَف. وقال: الأعراب يروونه فيها (2):

كأنّي غداةَ البَين يومَ تحمَّلوا --- لدى سَمُراتِ الحَيِّ ناقِفُ حنظلِ"

وفي الهامش رقم (2): وفي النسختين: "يروون فيها".

طيّب! لنضع كل المصادر جانبًا، ولنتأمّل النص أوَّلاً بعينين أسيرتين للنُّسَّاخ، استنادًا إلى ترجيح أبي قصي. ومؤدَّى كلامه: "وقال الأصمعي: هو منحول لا يعرَف. وقال (أي: الأصمعي): الأعراب يروون فيها: كأنّي غداة البَيْن ... "

ماذا يعني هذا؟ يعني: أنَّ الأصمعي حكم على البيت رقم (3) بأنَّه منحول، ثم ذكَر أنَّ الأعراب تروي البيت (رقم: 4) في المعلَّقة؛ أي أنَّه يوثِّق هذه الرواية.

وهذا المعنى صحيح. ولكن لا على المعنى الذي فهمه أبو قصي، ولا على التوجيه الذي ذهب إليه من تخطئة إضافة "الهاء" إلى "يروون". وعلة ذلك كلِّه قلَّة النظر؛ فلو تأمَّل النقطتين بعد "فيها"، لزال الإشكال ...

الآن، السؤال هو: لماذا أضاف الأستاذ عبد السلام هارون "الهاء"، مع أنها غير موجودة في النسختين؟

والجواب الأوَّل: اعتمد المحقِّق على ثلاث نُسخ. وهو إذا قال: "النسختان" يشير إلى النسختين الكاملتين من كتاب ابن الأنباري، وهما (أ) و (ب)، والنسخة الثالثة هي النسخة (م)، وهي مختصر الكتاب. ولم يشر إليها في هذا الهامش .. فيُحتمَل أنه صوَّب منها.

إذا قلتَ " يروونه فيها"، يكون المعنى: البيت الذي يرويه الأعراب بدل البيت رقم (3) هو البيت رقم (4). وهذا أبلَغُ في أداء المعنى المراد، وأشبه بما ذكرته المصادر. لماذا؟

إذا قرأت: "وقال الأصمعي: هو منحول لا يُعرَف. وقال: الأعراب يروون فيها: كأنّي غداة البين ... "، بدَت لك الجملة الثانية مستأنفة، لا تعلُّق لها بما سبق من كلام. إذ فيها حكم على بيت أنه منحول، ثم رواية لبيت ترويه الأعراب جزءًا من المعلّقة.

أمَّا إذا قرأت "يروونه فيها"، فإنَّ العلاقة بين الجملتين في كلام الأصمعي تظهر بجلاء، حيث يتأكَّد نفي البيت الثالث بإثبات البيت الرابع.

ويتقوَّى هذا الكلام بنكتة لطيفة، وهي أنَّ أبا عبيدة روى البيت الثالث؛ لكنه كان ينفي نسبة البيت الرَّابع إلى امرئ القيس.

ولا نحتاج إلى الذهاب بعيدًا لتقرير هذه المسألة .. لدينا "الشعر والشعراء" بين أيدينا. لِنفتحْه إذن، ولْنقرأْ الصفحة 128:

"قال (أبو عبيدة): وهو (امرؤ القيس ابن خِذام) القائل:

كأنّي غداةَ البَين يومَ تحمَّلوا --- لدى سَمُراتِ الحَيِّ ناقِفُ حنظلِ"

فأبو عبيدة: روى البيت الثالث، ونفى صحّة نسبة الرابع إلى امرئ القيس.

والأصمعي: روى البيت الرَّابع، ونفى صحّة الثالث واصفًا إياه بالمنحول.

وما كان بين هذين العلَمين من تنافس معلومٌ مشهور ...

وفي هذا "روايةٌ لا تُجتَنَى مِن الصُّحُفْ"، كما قال اأبو نواس ...

وهنا السِّرُّ كلُّ السِّرِّ في الضبط الذي أثبته عبد السلام هارون. وهذا ممّا يتجاوز المخطوطات، والنسَّاخ، والروايات .. بل هو ممّا يتجاوز حدود العلم إلى بحار الفهم ...

ويبقى احتمال آخر، وهو اعتبار الكلام ينتهي في الموضع الذي نقل فيه الشارح عن الأصمعي؛ أي: اعتبار قوله "يروونه فيها" متعلِّقًا بالبيت الثالث. وهو احتمال وارد، لأنك لا تجد في شرح ابن الأنباري تصديرًا لشرح بيت قبل ذِكره. لكنّه مشكل، لأنَّ المعنى سيكون: والأعراب يروون هذا البيت، مع أنَّه منحول لا يُعرَف. أي: البيت منحول، وإن رواه مَن رواه من الأعراب. ويكون مغزى الكلام أنَّ الأصمعي لم يسمع هذا البيت من حمّاد أو أبي عمرو بن العلاء، لكن سمعه من الأعراب. والأمر يقتضي مزيد تتبُّع وتأمُّل لكلام الأصمعي في عدَّة مصادر، للتثبُّت وتجنُّب المجازفة ...

ثم يقول أبو قصي: "ويدلُّك على ذلك (أي: على رأيه الذي خطَّأ به عبدَ السلام هارون) فوق دلالة هاتين النسختين ما في شرح المعلَّقات لأبي جعفر النَّحَّاس، والخطيب التبريزي."

وإذا عدنا إلى شرح التبريزي، نجده يقول (نقلاً عن: ناصر الدين أسد، مصادر الأدب الجاهلي): "وهذا البيت وما بعده ممّا يزاد في هذه القصيدة". ثم يضيف: "قال الأصمعي: والأعراب ترويهما".

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015