ـ[الواحدي]ــــــــ[11 - Jul-2009, مساء 09:52]ـ
( ... تابع)
** المثال الأول:
_ يقول أبو قصي: "وقول صاحب "العين –وقد أبان-: (والضَّرْح: الرمي بالشيء)."
ثم يبني على ذلك استنتاجًا هو أدنى إلى السفسطائية منه إلى لغة العرب، سنعود إليه لاحقًا، بإذن الله ...
لكن، هل هذا كل ما قاله صاحب "العين"؟ لا والله!
فأنت إذا نزلت بعينيك سطرًا واحدًا قرأتَ: "واضطرحوا فلانًا": إذا رموا به. والعامّةُ تقول: "اطَّرحوه"، يظنُّون أنه من الطَّرح، وإنَّما هو مِن الضَّرح."
ما معنى هذا الكلام؟ ولماذا أهمله أخونا؟
والجواب: أهمله لأنه ينص على معنى الإبعاد للفظ الضَّرح، وهذا لا ينسجم مع "لجاجة" أبي قصي في تخطئة "السيّد".
ثم أين هو "إبعاد الأشياء الصَّغيرة بعنف" في قولهم "اضطرحوا فلانًا"؟ وهو المعنى الذي وضعه واخترعه صاحبنا لكلمة "ضرح" .. أين هو؟ أين هو الصغير؟ وأين هي الأشياء؟ وأين هو العنف؟
والمقصود بـ"فلان"، في حدود علمي القاصر، رجُلٌ ما؛ فهو ليس بقّةً، أو نملة، أو غيرها من الحشرات التي تتلذَّذ بها العنكبوت .. إذن هو ليس "صغيرًا" .. فلماذا اضطرحوه؟ المسكين! ولو وُلِد بعد شهرنا هذا بسنوات، ثم جاءه قومه ليضطرحوه، لقال لهم:
_ جئتم لتضطرحوني؟
ولأجابوه: "نعم، فقد كُتِب عليك أنْ نضطرحك منذ الأزل".
ولقهقه حينئذ وقال بكل ثقة: "هذا لن يقع."
فيقولون له: "ولماذا لن يقع."
فيجيب: "لن يقع، لأنَّه غير ممكن! "
فيعنِّفونه، ويكاد بعضهم أن يضطرحه مِن شدّة الغضب ... لكنهم يعودون إلى الرشد، فيقولون له: "ولماذا غير ممكن؟ "
فيجيب: "لأنَّ الله قيَّض لهذه الأمَّة لغويًّا من الطراز الأوَّل، بل لا طراز يليق بمقاسه. وقد قرَّر هذا اللغوي النّحرير أنَّ الضرح لا يكون إلا بمعنى: "إبعاد الأشياء الصَّغيرة بعُنف". وأنا –كما ترون- لست صغيرًا، بل جثَّتي تضاهي جثة الجاموسة! "
فيعتذرون منه، وينصرفون خائبين ... وبينا هم في الطريق، إذا أحدهم يقول متحسِّرًا: "أعْنَتَنا والله "لُغاة" هذا العصر! يتجرّأ علينا الفسقة الفجرة. ثم إذا عزمنا على اضطراحهم، يحتجُّون علينا بفتاوى "آخر زمن"! أين أنت يا جوهري باشا؟ أين أنت يا ابن منظور بك؟ بل أين أنت يا خلييييييييييييل؟ "
ويُسدَل السِّتار ...
ثم نقرأ، في "العين" وبالعين: "ويقال: الضَّرْح: الرَّمْح".
وهذا أهمله أخونا .. ولإهماله احتمالان: إمّا أنه قرأه بضمّ الراء، كما جاء في بعض المطبوعات، فظنّ أنه لا علاقة له بالموضوع؛ أو قرأه بالفتح، وأدرك معناه، فتكتَّم عليه، لأنَّه لا يسعفه في دعواه ..
ولو رجع إلى مادة "ر م ح" من العين، لوجد مزيد بيان لأحد معاني "ضرح"؛ لكنه لم يُرِد ذلك ...
ونقرأ كذلك في "العين"، لا الأذن: "والضُّراح: بيت في السَّماء".
وهنا لنا أيضًا أن نتساءل: لماذا غيَّب أخونا هذا الكلام؟
والجواب: أنّ لإهماله أحد الاحتمالين: قرأه وظنّ أن لا صلة له بالموضوع، لأنه لا يتعلقَّ بالفعل. أو قرأه، ثم بحث عن تفسير لفظ "الضُّراح"، وعلّة هذه التسمية. فاكتشف أنَّها لا تسنده في اعتراضه، فوضعها تحت البساط ...
وهنا أرى من المناسب أن أنقل هذه القصة التي ذكرها الزمخشري في "الفائق"، لأنّ لها علاقة بالضراح وباللجاجة معًا.
قال، رحمه الله: "ومَن رواه بالصَّاد غير المعجمة (أي: الصراح بدل الضُّراح) فقد صحَّف. وسألني عنه بعضُ المشيخة المتعاطين لتفسير القرآن وأنا حَدَثٌ، فطفق يلاجّني (إي والله!) ويزعم أنه بالصَّاد، حتى رويت له بيتَ المعرِّي:
وقد بَلَغ الضُّراحَ وساكنِيه -- نَثاكَ وزارَ مَن سكن الضَّريحا
وأرَيْتُه كيف قصدَ الجمْعَ بين "الضُّراح" و"الضَّريح" ليُجَنِّس، فسكَّن ذلك مِن جِماحِه"!
وبيت أبي العلاء جاء ضمن قصيدة طويلة، قالها معارضةً لقصيدة أخرى مدحه بها الشريف أبو إبراهيم العلوي، نقيب حلب. ويليه قوله:
يَغِيضُ إليك غَوْرُ الماء شوقًا --- ويُظهِرُ نفْسَه حتَّى يسيحَا
ولو مرَّتْ بخيلك هُجْنُ خيلٍ --- وَهبْن لِعُجْمِها نَسَبًا فصيحَا
وفيهما معنى لطيف، يناسب المقام ...
قال الخطيب التبريزي، الإمام المؤتمن في الرواية، عفا الله عنه: "غَوْرُ الماء: غائرُه".
¥