وكأنه رآه أيضا يترقَّب كل "الموالد"، سواء في مقام السيدة أو سيدنا الحسين .. فيحضرها، حاملا مقاله النقدي بيده اليمنى، وصورة أبي الأشبال باليسرى .. وهو يصرخ، مشيرًا إلى الصورة: "شايفين الصورة دي؟ دي صورة الراجل اللي بوَّز تحقيق الشعر والشعراء! " ثم يصيح مشهِرًا المقال: "وشايفين المقال ده؟ دا المقال اللي بهدلت فيه صاحب الصورة أيّما بهدلة، ومسحت بيه الأرض، وخلّيتو يعتذر .. "!!
وكأنَّه كان كلّما فتح عينيه صباحًا، سمع طرقًا عنيفًا على باب بيته. وكلَّما فتح الباب، وجد "السيِّد"، يستأذنه ليدخل، فيأذن له .. ثم يقول له: "خير إن شاء الله؟ " فيجيب السيِّد: "كالعادة، جيت ألجّ عليك شوي ... " ثم يظل السيّد "ينفي الروايات الصحيحة"، و"يلجّ في نفيها" .. إلى غياب الشمس. فيستأذن منصرفًا، ويقول لأبي قصي: "ما عليش يا أخي فيصل، عدم المؤاخزة! بس بكرة لازم نشوف بعض، عشان أنا محتاج "ألجّ" من جديد .. وأنت ناقد أد الدنيا، وأنا أموت في اللجاج أمام النقّاد"!
واستمرّ الأمر على هذه الحال: السيِّد يلجّ في النفي، وأبو قصي صامت متذمِّرًا، يكتم إيمانه ... إلى أنْ انتقل "السيِّد" إلى رحمة الله ...
عندئذ، تنفَّس أبو قصي الصعداء .. لكن ضميره ظلَّ يوبّخه، فرأى من واجبه الكشف عن "لجاج" السيد في نفي الروايات الصحيحة. وكَرِه "أن يتجرّم دهر، فيعتقد النَّاس كلَّ ما ذكره حقًّا"، فهَبَّ إلى تنبيه البشرية قبْلَ أن تقوم الساعة!
ثم قال في نفسه (وفي أنفسنا!): "وقد تَضيعُ هذه النُّسخ المخطوطةُ التي حفِظَت لنا هذه الرِّواياتِ" ...
يا لطيف! يا لطيف! تصوَّرْ!
تصوَّرْ لو انفجرت قنبلة نووية، فضاعت هذه النُّسَخ المخطوطة! يا لهول الواقعة! يا لَعِظَم المصيبة!
وتصوَّرْ أنّه عسُرَ "على جمهور الناسِ الرجوع إليها"! (الجمهور! وكأنه الآن معنيّ بالرجوع إليها! "هو لا يفكِّر في الرجوع إليها" ... )
ولكن، إياك والإيغال في التصوُّرات الرهيبة المرعبة! فأبو قصي، ولله الحمد، هنا .. وسيذكر لنا كلّ تلك "اللجاجات" التي اشتغل بها "السيد" بِنِيَّة التشكيك في الروايات الصحيحة ونفيها ... صحيح أنه سيذكرها "غير مستقص، ولا مستوعب"؛ لكن "معليش" ... فالذنب ليس ذنبه، بل ذنب "اللجاجات"! إذ منذ وفاة "السيد"، فرَّت منه فرَقًا، وأصبحت لا تزوره .. وقد "صادفها" (في سوق الخضار!) مرَّةً، فأرداها بضربة رباعية من التعقيبات .. ثم "صادفها" مرَّة أخرى، بعد عشرة أيام، فلَكَمها بثنائية مميتة! ولم يلكمها هي وحدها، بل لَكَمَ معها الجوهريَّ، وابن منظور، وأحمد شاكر، وعبد السلام هارون، و ... "والحَيُّ قَدْ يَغْلِبُ أَلْفَ مَيْتِ" ...
يا لطيف! كم هو قوي! الحمد لله أنَّه هنا، يحمي تراثنا من الضياع، ويدرأ عنه لجاجة النفاة والمعطِّلة، و"الذين لا يفهمون"، والذين "يفسدون معاني الألفاظ" ..
الحمد لله! مَن نحن لولاه؟!
ـ[الواحدي]ــــــــ[11 - Jul-2009, مساء 09:49]ـ
ففهَّمْناها سليمان ...
( ... تابع)
(3)
التدليس المكشوفَ!
قبل التعريج على كلام أبي قصي، لتمحيص معانيه، وتفكيك مبانيه، يجدر بنا أن نقف (غير رابضين) على النهج الذي سلكه في نقد الكبار .. وهؤلاء "الكبار" لهم منهجهم، وهو معروف لا يحتاج إلى بيان أو برهان .. لكن، ما هو منهج ذيَّاك الذي هبَّ قبل "تجرّم" دهرٍ أو دهور، ليكشف عن سقطاتهم وهفواتهم؟
أبرز ما يميِّز قلم أبي قصي هو: الخجل. ولا أعني بوصفي هذا: الخجلَ من القرَّاء، بل الخجل من ذكر النصوص كاملة عند نقلها لهم ... ومِن شدَّة خجله هذا، ابتدع لنا منهجًا جديدًا في النَّقد؛ لم يُسبَق إليه، ولعلَّه لن يُلحَق ... وهذا المنهج الجديد اسمه: التَّدليس المُخجِل"! كذا سمَّيته في مسوّدة هذا المقال .. لكنّني في مجلسنا هذا أسمِّيه: "التدليس المكشوف"!
هو تدليس، ولكنه يتميَّز عن كافَّة أنواع التدليس المعروفة بكونه "تدليسًا مكشوفًا"؛ وهنا وجه أصالته وغرابته معًا!
كيف ذلك؟
يتعنّت صاحبنا في نقد اعتراضٍ من اعتراضات "السيد" على أخيه الأكبر أبي الأشبال، فيهرع إلى المصادر التي يتوسَّم فيها إسعافه وإسعاده. لكن لمّا تخيِّب هذه المصادر ظنَّه، يُخرج رمحه "البلاستيكي"، فيطعنها طعنة نجلاء، ويظل يطعنها إلى أن تخرَّ صريعةً لليدين وللفم .. وبعد أن يطمئن إلى موتها ويتيقَّن أنْ لم يره أحد (يحسب ... )، يأخذها مصدرًا مصدرًا، فيقص منها ما يلائم إيراداته .. ثم يرمي بقية أشلائها في سلّة المهملات .. ثم يغسل يديه من أدرانها .. ثم يقف أمامها "دقيقة صمت"، ولا يفوته في هذه الدقيقة الخاشعة أن يعرِّض بفهم بعض مَن صنَّفوها .. ثم ... يعود "ليربض على الطريق"! وكأنَّ شيئًا لم يقع ...
ونهجٌ كهذا النهج، ما كان ليخدع عقول الناس، ولو في الأزمنة القديمة .. "أيّام زمان"! "في الزمانات" ... أيّام كان العلماء يتكلَّمون، فيثق الناس في كلامهم، ولا يعترض عليهم إلا علماء أمثالهم.
أمّا في زمننا هذا، فيكفي أن تكبس على زرّ لتنثال عليك كلّ كتب الدنيا .. فتقرأ "الروايات الصحيحة"، ويتبيَّن لك مَن الذي "يلجّ في نفيها"، أو يبترها، أو يسيء فهمها ...
والآن لنذكر مثالين "تطبيقيَّين"، كما يقال، يبيِّنان بوضوح طريقة "التدليس المكشوف":
(يتبع ... )
¥