ـ[الواحدي]ــــــــ[11 - Jul-2009, مساء 09:45]ـ
ففهَّمْناها سليمان ...
( ... تابع)
(2)
قصة اللَّجوج .. مع حامي التراث ...
ومن الخصال التي أعجبتني في أبي قصي: أنَّه يتخيَّر العبارات لقلمه، ويدقِّق في رسمها، ويتحرَّى في ضبطها بحرص شديد. وهذه مزيّة تُحسب له ... لكنه أُتي مِن جهة فهم ألفاظ الآخَرين، وإدراك معاني كلامهم ومقاصده.
ومَن لم تكن له رتبة إدراك كلام الكبار، لم تكن له رتبة الاعتراض عليهم.
وهذا ممّا لا يدركه إلا مَن كان حَسَن الفهم، عالِما بمقامات الناس، مدرِكًا لمرتبته ...
وعدم الفهم ينشأ عادةً من أمرين اثنين: استغلاق كلام المخاطِب، أو نزول مدارك المخاطَب. فإذا كان الكلام غامضًا غير مبين، كان العيب في المتكلِّم وحده. وإذا كان كلامه واضحًا، ومع ذلك لم يفهمه السامع، كان العيب في السامع.
وللمسألة وجه ثالث من أوْجُه الاحتمال، وهو أن يكون المخاطِب مبينًا، والمستمِع مستكمل الآلة تامّ المدارك. فيأتي ثالث، دخيل على مجلس الحوار، لا صلة له بفصل الخطاب ولا بحُسن الجواب؛ فيزعم .. ثم يتّهم .. ثم يطير إلى أن يبلغ سقف القسم الإعدادي للغة العربية .. ثم يدور الدورات السبع في فضاء مغلَق، ثم ... انتهى!!
أخونا إذن: قلم طريف ظريف، يتأنّق في العبارة، ويستجيد الإشارة؛ لكن آفته أنّه يحاول الفهم .. وآفته الأكبر من ذلك أنه لا يرى الوصول إلى هذا الفهم إلا بالتشكيك في فهم الكبار! وكأنّ الفهم في عينيه: مَقعَدٌ في "باص" الكبار، لا يمكنه الجلوس عليه إلا إذا أنزل أحدَهم .. ويشطّ به الخيال أحيانًا، فيرى نفسَه قد أنزل عِدّة ركَّاب من "باص الكبار"! فالمقعد الواحد يكفي للجلوس .. ولكن ماذا لو أراد أن يضطجع؟ لا بُدّ إذن من مَقعدين! ثم ماذا لو أراد أن ينقل "عفشه" معه؟ لا بدّ حينئذ من أربعة لا اثنين!
ثم يستبدّ به الخيال، فيرى نفسه وحده في "باص الكبار"، يقوده، ويصول به ويجول! ثم ... يسمع صوت ارتطامٍ رهيب .. فينتبه، ويفتح عينيه، ليرى نفسه مازال "رابضًا على الطريق"!
ولمّا قرأت كلامه الأخير عن "الفهم" والزعم"، وغير ذلك من الفهم المزعوم، والزعم غير المفهوم ... وإفساد المعنى، وقلبه، وقلب معنى الفساد، وفساد القلب ... تيقَّنتُ أنّني كنتُ مخطئًا عندما كذَّبتُ فراستي و"ضَرَحْتُها" عن قلبي ...
ذلك أنّي لمّا قرأتُ مشاركته الأولى، أزعجتني عبارات منه؛ فأسندتُها إلى الغفلة، أو العجَلة، ونظائر ذلك من الأعذار ... لكنني رأيته بعد ذلك يصرّ على كلامه إلحاحًا، ويُلِحُّ عليه إصرارًا، بلَجاجة ما بعده لَجاج!
اللَّجاج .. نعم! هذا هو اللفظ الذي أزعجني بادئ الأمر، وأغفلتُه ...
يقول أبو قصي (عن "السيّد"): "فرأيتُه أنكرَ بعضَ الرِّواياتِ الصحيحةِ، ولَجَّ في نفيها".
ومَن يقرأ هذا الكلام، يخيَّل إليه أنَّ السيِّد اتخذ مِن مقاله في نقد "الشعر والشعراء" وِرْدًا يوميًّا، يكرِّره جهرًا صباحَ مساء، في الجامعة، والجامع، والشارع، والمقهى .. ليعلم مَن لم يكن يعلم أنه انتقد أبا الأشبال!
وكأنّ أبا قصي، وهو في ليل "فهمه"، النائي عن "القلب"، المتطهِّر مِن أدران "الفساد" و"الإفساد"، المتناغم مع "المعاني التي تستعملها العرب"، المستقيم "كُلَّ الاستقامة"، رأى السيّدَ يعدو في شوارع القاهرة، دون طربوش، مكرِّرًا انتقاداته للشيخ أحمد شاكر وكأنَّه أحد المبشِّرين بالبيان الشيوعي!!
وكأنه رأى "السيِّد" وهو يتسلّق صوامع الأزهر، الواحدة تلو الأخرى، وهو يصرخ "بالفم المليان": "يا ناس! ياعالَم! اسمعوا وعُوا! هذه هي أخطاء أحمد شاكر أُعالِنكم بها ... " (حلوة "أُعالِنُكم!) .. ثم رآه ينزل ويعدو حافيا إلى الأهرام، ليتسَّلقها أيضًا، حاملاً مكبِّرَ صوت. وسمعه ينتقد تحقيق كتاب ابن قتيبة، وهو "يلجّ في نفي الروايات الصحيحة" التي أثْبَتَها أحمد شاكر، بالعربية، والانجليزية، والفرنسية، والألمانية، واليابانية ... (مشان السوّاح الأجانب، يعني ... ) لإقامة الحجة على أهل الأرض كافَّة ...
¥