قرأتُ ما سطرتَه بالتأنِّي الذي يقتضيه أيُّ كلام مسطور منشور، فخامرني شعور لم يَرُقْني، ولعلّه لن يسرّك. وبَوادي هذا الشعور كخفاياه، تجمعها أمنية واحدة: ليتك اكتفيت بتعقيباتك الأربع ولم تتكلَّف التسديس!

والتربيع قد يُقرَن بالتدوير، لكنه أهون من التسديس؛ وإن كان أهل التسبيح والتقديس، لا يؤمنون بتربيعٍ ولا بتسديس.

تُفَلُّ السُّيُوف البِيضُ وهْيَ صَوَارِمٌ --- ويَرْجِعُ صَدْرُ الرُّمْحِ والرُّمْحُ دِعِّيسُ

ولَوْلا أُناسٌ زيّنُوا بسعادةٍ --- لَمَا ضَرَّ تَرْبِيعٌ ولا سَرَّ تَسْدِيسُ

ولكنَّ في الأفلاك سِرَّ حُكومةٍ --- تَحَيَّرَ بَطْلَيموسُ فيها وإدريسُ!

وأراك رَميتَ (ولا أقول: ضرحتَ) أربعةً من أعلام العربية، وأنت في الجزيرة، بقلة الفهم وسوء الإبانة عن المعاني "كما تستعملها العرب"، وهم: الجوهريّ، وابن منظور، وأحمد شاكر، والسيد صقر! فجاءت تُهَمك بعدد فِجارات العرب، غير أننا لم نتبيَّن بعدُ هل أنت غالبٌ فيها أم مغلوب ...

وأنت بهذا تكلّفتَ جسيما، وتجشَّمت عظيما.

والجواب على ما تفضَّلتَ به جاهز، وجهيزة حاضرة؛ لكنَّ قلمي الآن مقيَّدٌ بديونٍ اختارته، مُثْقلٌ بأشغال عرته. وأنت تعلم أنَّ قضاء الدَّين براءة للذِّمَّة، وأنّ أداء الواجبات في وقتها من علامات الهِمَّة. ولأولئك الأعلام –رحمهم الله- عليّ دُيون، ولك عليَّ ديون أخرى. ومذهبي في ديونهم إيجاب العمل برِبا الفضل، وفي ديونك تجويز الأخذ بربا النسيئة.

وربما كان بعض الأحباب في مجلسنا هذا عاتبًا عليَّ لتأخُّري عن جوابه، وديونهم عليَّ ليست مِن جنس ديونك؛ بيد أنّني أجد لنفسي عذرًا في ثقتي بأنّ الأخ الحق هو من التمس لك الأعذار ...

فصبرًا إلى أن يخفّ العبء ويصفو الذِّهن ... ولا أدري كم ستدوم مدة انشغالي؟ وغالب ظنّي أنّها أطول مِن أُحاد، وأقصر مِن سداس ...

واعلمْ أنني إلى تحرير الخطاب، أشدُّ شوقًا منك إلى تلاوة الجواب.

نحن أدرى وقد سألنا بنجدٍ --- أطويلٌ طريقنا؟ أم يَطُولُ؟

وكثيرٌ مِن السّؤال اشتياقٌ --- وكثيرٌ مِن رَدِّه تعليلُ

جمعني الله وإياك على الرشد والسداد، وجنَّبنا الخطل والفساد.

أنا رابضٌ لك على الطريقِ، وحالي كحال مجمعِ بن هلال الذي يقول:

عبأتُ له رمحًا طويلاً، وألَّةً ... كأنْ قبسٌ يُعلى بها حين تشرعُ

أو كحال عَمْرِ بن معدِيكربَ حين قال:

أعددتُّ للحدَثان سا ... بغةً، وعدَّاءً علندَى

ولا أدري، لمَ هذا العَدَّاء؟ أكان يريدُه ليعطِفَ به على الأعداء، أم ليفرَّ به إلى الوراء، كما قال في رائيته:

ولقد أجمعُ رجليَّ بها ... حذرَ الموتِ، وإني لفرور

أو كحال البرجميِّ إذ يقول:

وأصبحتُ أعددت للنائبا ... تِ عرضًا بريئًا، وعضبًا صقيلا

ووقعَ لسانٍ كحدِّ السِّنانِ ... ورمحًا طويلَ القناةِ عسولا

أو كما قالَ حسان رضي الله عنه:

لساني وسيفي صارمان كلاهما ... ويبلغُ ما لا يبلغُ السيفُ مِذودي

فهاتِ ما عندَك؛ ولكن اعلمْ أن الأمرَ على ما وصفتُ لك.

... إنَّ بني عمِّك فيهم رِماحْ ...

(ابتسامة)

ـ[الواحدي]ــــــــ[11 - Jul-2009, مساء 09:31]ـ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

ففهَّمْناها سليمان ...

مقدمة

"لم يفهم السيد صقر معنى الزيادة عند النحاة"!

ساءتني هذه العبارة ... وظنّي أنها ستسوء مَن قالها، ولو بعد حين ...

ألا ما أمرَّها! ألا ما أمرَّها!

وما أثقَلَها!

إنَّها ثقيلة، ثقلَ مؤنةِ تكلُّف اصطياد عثرات الكبار ممّن لم يستكمل آلة النقد ...

"لم يفهم"!

كيف "فهمتَ" ذلك من كلامه؟

ولو قال "أساء الفهم"، لكان ذلك ألطف، ولألحقناه بحُسن "فهمه". وكان يسعه غير هذا وذاك، لو لم يُعجل قلمُه نظرَه ...

ولغتنا ثريّة بجميل الألفاظ المطابق لسديد المعاني، لو التفت إليها قلمٌ مُسْئِدٌ في تعقُّب عثرات الكبار ...

ذلك الكلام ساءني، لا لأنّه أساء إلى أحد أفذاذ التحقيق في تاريخنا فحسب، بل لأنه أساء إلى العلم، وأصول النقد وآدابه، عندما يتعلَّق الأمر بالعلماء لا الأدعياء ...

لذلك كتبتُ ما كتبت ...

وأرجو من الإخوة المشرفين على المجلس أن يتأمَّلوا جيِّدًا العبارات ومضامينها، إذ لم أخرج فيها عن الإطار الذي رسمه الأخ أبو قصي لنفسه في الحديث عن الكبار.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015