بينما احتفى التقليديون بالشخصية وبوؤوها المكانة اللائقة بها، حتى إّّذا جاء الكتاب الحداثيون ومنهم أصحاب مدرسة الرواية الجديدة تبنوا موقفا معاديا للشخصية في أطروحاتهم، فحاولوا تسفيهها وتدميرها والحط من شأنها. ومن هؤلاء: رولان بارط، طودوروف، ميشال زيرافا، ونطالي ساروط، وميشال بيطور وألان روب كريي وجيرار جينيت .. ومهد لتكريس هذه الفكرة قبل هؤلاء، جيمس جويس وكافكا .. وزعم هؤلاء أن الشخصية ليست سوى كائن ورقي وإنها يجب أن تكون نسيا منسيا وأنها لا تعدو كونها مجرد عنصر لسانياتي مثله مثل باقي العناصر السردية الأخرى مثل اللغة والحيز والزمان والحدث .. إنها كائن لغوي من صنع الخيال. ومهما اختلفت الآراء وتضاربت تبق الشخصية مشكلا أساسيا وعنصرا غاية في الأهمية داخل العمل السردي .. إنها واسطة العقد بين جميع المشكلات السردية الأخرى .. إنها تصطنع اللغة تبث وتستقبل وتصنع المناجاة.

اللغة: ...

الأديب مسؤول عن لغته إذ هو من يمنح ألفاظه دلالات جديدة كأنما ينشئها لأول مرة، أي أنه يتبع في الكتابة ما يطلق عليه في اللغة النقدية المعاصرة الانزياح. فحينما يستعمل معنى المرارة للخبز فهو لا يقصد مرارة المذاق ولكن الحصول عليه دونه كدح وتعب وعرق فيستحيل المذاق المعنوي إلى مرارة أي إلى شقاء .. ولكن اللغة العادية أو اللسان المشترك بين الناس فإنما يقصد المعنى الحقيقي وإلا فسد نظام الكون واضطربت علاقات الناس. وقسمت السميائية اللغة إلى مفهومين:

ـ مفهوم السمة الطبيعية وهي اللغة التبليغية التي يكون بثها دون قصد؛ كتلبد السماء بالغيم وقصف الرعد ووميض البرق تشي بوشك هطول المطر، وارتفاع حرارة الجسم يؤذن بوجود حمى، إذن فالسمة الطبيعية الأولى ـ هي سمة حاضرة دالة على سمة غائبة ـ سمة بصرية والسمة الطبيعية الثانية لمسية

ـ السمة الاصطناعية تتمثل في الرسوم والأشكال والإشارات الصوتية مثل دق الطبول إيذانا بدخول وقت السحور في رمضان، ويكون لها في المألوف باث قصدي

لغة الكتابة الروائية ومستوياتها:

كان أبو عثمان الجاحظ أول من اهتم وعني بالحديث عن مستويات اللغة ومراعاة درجة المتكلم الثقافية والاجتماعية. وحسب ما يذكر الجاحظ فقد سبق ابن المعتز إلى تأسيس النظر في هذه المسألة فاقترح أن يكون مستوى لغة المتكلم أو الكاتب على قدر المخاطب ومستوى ثقافته .. يقول بن المعتز: " ينبغي للمتكلم أن يعرف أقدار المعاني ويوازن بينها وبين أقدار المستمعين وبين أقدار الحاجات؛ فيجعل لكل طبقة من ذلك كلاما، ولكل حال من ذلك مقاما، حتى يقسم أقدار الكلام على أقدار المعاني على أقدار المقامات وأقدار المستمعين على أقدار تلك الحالات .. "الجاحظ ـ البيان والتبيين: ص 153. إن بشر بن المعتز، المفكر المعتزلي فيما ذهب إليه يبدو حداثيا ـ في الخطابة لا الكتابة طبعا ـ فهو يثير مسألة المستوى اللغوي بحيث لا يجب أن يكتب لنفسه ويتجاهل قراءه بل ينبغي له أن يراعي مستوى المبثوث فيهم الرسالة فيجعلها على أقدارهم ويفصلها على مقاسهم ....

والحق إن مسألة المستويات اللغوية داخل العمل السردي تعني في المذهب النقدي المتسامح أن الكاتب الروائي عليه أن يستعمل جملة من المستويات اللغوية التي تناسب أوضاع الشخصيات الثقافية والاجتماعية والفكرية .. ولعل جلال الدين السيوطي قد نهض بهذه التجربة اللغوية بحيث كتب عشرين مقامة موزعة على عشرين شخصية مختلفة، فاتخذ لكل شخصية لغتها الوظيفية. لذلك قد يكون العرب سبقوا إلى هذه المسألة تطبيقيا، بعد أن كان الجاحظ تحدث عنها نظريا .. ولعل الشائع بين الناس أن لغة الكتابة ضربان اثنان::

الضرب الأول سرد، ولغته الفصحى، والضرب الآخر حوار، ولغته عامية .. وفي رأيي المتواضع أن العملية الإبداعية وحدة متكاملة تنهض على لغة لسان أدبي فصيح ولغة فنية راقية لا تشوبها شائبة ينفثها لسان عامي دارج يحصرها في مجال إقليمي ضيق. ومهما يكن فإن السحر اللغوي إذا غاب عن العمل الروائي، غاب عنه كل شيء: غاب الفن، وغاب الأدب معا ..

السرد وأشكاله في التراث القصصي العربي:

عرف الأدب العربي أشكالا مختلفة من طرائق السرد، وقد اقتصرت في معظم أطوارها على اصطناع ضمير الغائب. ومن الطرائق السردية التي استعملها العرب في سرودهم من العهود المبكرة:

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015