أن الخطاب الروائي تجاوز المفاهيم التقليدية حول الرواية في عصورها الكلاسيكية والرومانسية والواقعية الجديدة؛ وتداخلت أساليبها مع تداخلات العالم الخيالي والصوفي والواقعي والتاريخي، مما جعلها، سواء في حبكتها أو شخوصها، أكثر تعقيدًا وأعمق تركيبًا.
ووصلت الرواية بذلك إلى دُنيا النص المفتوح الذي يفضي إلى قراءات متعددة لا تصل إلى تفسير نهائي للخطاب الروائي كما كان الحال في الروايات السابقة.
... أسس البناء السردي في الرواية العربية
ماهية الشخص والشخصية:
يقتضي المنطق الدلالي للغة العربية أن يكون "الشخص"كائنا حيا يرزق، وفي لسان العرب لابن منظور، الشخص: كل جسم له ارتفاع وظهور والمراد به إثبات الذات فاستعير لها لفظ شخص. والشخصية في اللغة مصدر صناعي كإنسانية .. وهو قياسي يطلق على كل لفظ جامد أو مشتق، اسم أو غير اسم، وزيد في آخره حرفان هما ياء مشددة بعدها تاء مربوطة فيصير بعد هذه الزيادة دالا على معنى مجرد جديد، وهو مجموعة الصفات الخاصة بذلك اللفظ والتي يختص بها الإنسان، مثل الشفقة والرحمة والعمل النافع، وما إلى ذلك من القيم الإنسانية إيجابية كانت أو سلبية، بينما إطلاق "الشخصية" لا يخلو من عمومية وشمول. والشخصية في الأعمال السردية تسخر لإنجاز الحدث الذي أسنده الكاتب إليها، وهي تخضع في ذلك لصرامة الكاتب وتصوراته وأيديولوجيته، إي فلسفته في الحياة. والشخصية في الرواية التقليدية تعامل على أساس أنها كائن حي له وجود فيزيقي، فتوصف ملامحها وقامتها وصوتها وملابسها وغير ذلك من الجزئيات والخصوصيات فضلا عن الاهتمام برسم أهوائها وهواجسها ومشاعرها .. لذلك فالشخصية تلعب دورا أكبر في أي عمل روائي يكتبه كاتب تقليدي (بالزاك ـ إميل زولا ـ نجيب محفوظ ... ) ولعل الاحتفاء بها كان له ارتباط بهيمنة النزعة التاريخية والاجتماعية، وهيمنة الأيديولوجية السياسية من وجهة أخرى .. أما الروائيون المسلحون برؤية حداثية فعملوا على الحد من غلوائها والإضعاف من سلطانها في الأعمال الروائية، ولم تعد سوى كائن ورقي .. وهذا فرونز كافكا أحد المبشرين بجنس روائي جديد يطلق على شخصيته مجرد رقم في روايته " المحاكمة" le proces وأطلق على شخصية رواية "القصر" مجرد حرف .. ولم يعد ممكنا دراسة الشخصية في ذاتها، أي على أنها شخص أو فرد، بل بدأت الأفكار تتجه إلى دراستها أو تحليلها في إطار دلالي، فتغدو مجرد عنصر شكلي وتقني للغة الروائية، مثلها في ذلك مثل السرد والوصف والحوار ..
ومهما يكن فأي الملامح يجب أن ترسم بها الشخصية الروائية؟
يرى الناقد الجزائري عبد المالك مرتاض أن التقليديين كانوا يلحقون ملامح الشخصية بملامح الشخص ويستريحون، وذلك بغاية إيهام القارئ على أنها ترقى إلى مستوى التمثيل الواقعي لصورة الحياة، بينما الروائيون والنقاد الجدد معا يزعمون أن الشخصية لا تعدو كونها عنصرا من مشكلات السرد في العمل الروائي وعدوها مجرد كائن ورقي لا حول له ولا قوة، او قل مجرد دمية تتحرك
أنواع الشخصية
كان النقد يصنف الشخصيات بحسب أطوارها عبر العمل الروائي .. فهناك الشخصية المركزية والثانوية والشخصية الخالية من الاعتبار personnage de comparse
كما نصادف الشخصية المدورة والشخصية المسطحة .. كما نصادف الشخصية الإيجابية والسلبية ..
الشخصية المدورة والمصطحة:
أول من اصطنع هذا المصطلح هو الروائي والناقد الإنجليزي فوستر .. ومهما يكن فهذا المصطلح ليس غريبا على في الثرات العربي إذ كان الجاحظ كتب رسالة عجيبة وصف فيها شخصية نصفها حقيقي ونصفها الآخر خيالي وهي رسالة التربيع والتدوير الشهيرة، وكأن العرب عرفوا هذا اللون وتمثلوه على نحو ما، ولو لو يكتبوا الرواية إلى عهد الجاحظ. لذلك فالشخصية المدورة أو المكثفة حسب تودوروف وديكرو هي التي لا تستقر على حال ولا يستطيع المتلقي أن يعرف مسبقا ماذا سيؤول إليه أمرها لأنها متغيرة الأحوال ومتبدلة الأطوار، فضلا عن كونها تتميز بغناء الحركة وقدرتها على التأثير في سائر شخصيات العمل السردي .. وهي التي تفعل الخير كما تفعل الشر.
والمصطحة هي البسيطة التي لا تتبدل عواطفها ومواقفها بعامة .. ومثل هذا التعريف متفق عليه في النقد الغربي والشرقي.
¥