ـ[محمد غالمي]ــــــــ[27 - صلى الله عليه وسلمpr-2009, صباحاً 01:42]ـ
الرواية في الأدب العربي
الرواية فن نثري من وحي المخيلة، وعادة ما يتسم بالطول ويقوم على رسم شخصيات، ثم تحليل نفسياتها وأهوائها وتقصي مصيرها وتتبع مسارها ووصف مغامراتها ورصد هواجسها. ويرى الأستاذ عبد المالك مرتاض في بحته القيم حول تقنيات السرد .. أن الرواية تشترك مع الأجناس الأدبية الأخرى (الحكاية ـ الأسطورة ـ الشعر ـ الملحمة .. ) في عدة جوانب؛ ذلك أن الرواية لا تجد غضاضة في أن تشحن النص السردي بالمأثورات الشعبية، والمظاهر الأسطورية والملحمية جميعا بقدر ما تتميز عنها بخصائصها الحميمة .. إذ هي طويلة الحجم ولكن دون طول الملحمة في الغالب؛ وهي غنية بالعمل اللغوي ولكن يمكن لهذه اللغة أ ن تكون وسطا بين اللغة الشعرية التي هي لغة الملحمة، واللغة السوقية التي هي لغة المسرحية المعاصرة .. والشخصيات في الملحمة أبطال وفي الرواية كائنات عادية. والرواية نقل الروائي لحديث محكي، تحت شكل أدبي يرتدي أردية لغوية تنهض على جملة من الأشكال والأصول كاللغة، والشخصيات، والزمان والمكان والحدث؛ يربط بينها طائفة من التقنيات كالسرد والوصف والحبكة والصراع
في نظري فإن الرواية صرخ أدبي عتيد في مقدوره استيعاب كل التجارب الإنسانية والقيم الكونية في قالب إبداعي لحمته اللغة الأدبية الراقية إنه عالم لا حد لشخصياته ولا حصر لأحداثه ولا حدود مرسومة لأزمنته وأحيازه ..
تعود نشأة الرواية العربية إلى التأثر المباشر بالرواية الغربية بعد منتصف القرن التاسع عشر الميلادي. ولا يعني هذا التأثر أن التراث العربي لم يعرف شكلاً روائيًا خاصًا به. فقد كان التراث حافلاً بإرهاصات قصصية، تمثلت في حكايات السمار والسير الشعبية وقصص العذريين وأضرابهم، والقَصَص الديني والفلسفي. أما المقامات العربية فذات مقام خاص في بدايات فن القص والرواية في الأدب العربي. فقد تركت بصمات واضحة في مؤلف المويلحي (حديث عيسى بن هشام) وفي مؤلفات غيره من المحدثين الذين اتخذوا من أسلوب المقامة شكلاً فنيًا لهم ..
وتظل الرواية العربية قبل الحرب العالمية الأولى في منأى عن القواعد الفنية، وأقرب ما تكون إلى التعريب والاقتباس حتى ظهور رواية زينب (1914م) لمحمد حسين هيكل، التي يكاد يتفق النقاد على أنها بداية الرواية العربية الفنيّة، حيث اقترب المؤلف فيها من البنية الفنية للرواية الغربية التي كانت في أوج ازدهارها آنذاك. وقد عالجت رواية زينب واقع الريف المصري وهو أمر لم تألفه الكتابة الروائية قبل ذلك.
وعقب الحرب العالمية الأولى ومع بداية الثلاثينيات من القرن العشرين بدأت الرواية العربية تتخذ سمتًا أكثر فنية وأعمق أصالة. وكان ذلك على يد مجموعة من الكتاب ممن تأثروا بالثقافة الغربية أمثال طه حسين وتوفيق الحكيم وعيسى عبيد والمازني ومحمود تيمور وغيرهم.، إلا أن الروائي المصري نجيب محفوظ يُعَدّ سيِّد هذا الميدان بلا منازع. فرواياته خان الخليلي و زقاق المدق، و الثلاثية تمثل رؤية جديدة أضافت إلى أجواء الرواية عوالم أرحب وأوسع. وفي الستينيات من القرن العشرين بدأ نجيب محفوظ يبدع عالَمًا روائيًا جديدًا مستخدمًا تقنيات أكثر إبداعًا وأكثر تعقيدًا، وتقف رواياته اللص والكلاب؛ السمان والخريف؛ الطريق؛ الشحاذ؛ ثرثرة فوق النيل معلمًا بارزًا في مسيرة الرواية الجديدة، ذلك أن المضامين الاجتماعية التي عني بها من قبل امتزجت بها في هذه المرحلة مضامين فكرية وإنسانية ونفسية احتاجت إلى شكل روائيً أكثر فنية من مرحلته السابقة. وقد أجبرت هزيمة عام 1967م الروائي العربي إلى إعادة النظر في تيار الرواية، الذي كان سائدًا قبل الهزيمة، فظهرت من ثَمَّ أنماطٌ روائية جديدة، فيها ثورة على الأساليب التقليدية، كالحبكة والبطل والسرد التاريخي. وكانت لنجيب محفوظ إضافة لا تنكر في هذه المرحلة. ظهر بعد ذلك جيل آخر من الروائيين العرب، سُمِّي بالحداثيين، خرجوا على رؤية الرواية التقليدية وتقنياتها. وعلى أيدي هؤلاء الكتاب مثل: صنع الله إبراهيم وحنا مينا وجمال الغيطاني وإدوار الخراط والطيب صالح وبهاء طاهر وإميل حبيبي والطاهر وطّار وعبد الرحمن منيف وغيرهم ظهرت رؤية روائية تحمل اتجاهات معاصرة وحداثية مختلفة، من أهم سماتها
¥