ولست من "أهل العلم" الذين أومأت إليهم أختنا الفاضلة. وفي "الصارم المسلول" لابن تيمية (وقد ألزمني أحد الإخوة الأفاضل من منتدانا هذا بالرجوع إليه) تفصيل لمعنى سب الدهر، وحكم المتلفظ به، وحيثيات ما يتعلق بهذه المسألة. بيد أنه لديّ بعض "التأملات" حول هذا الموضوع، أرجو أن يثريها الإخوة تأييدا أو دحضا؛ وفي كل خير ...

* وردت عبارة "بوائق الدهر" في حديثين ضعيفين، أحدهما مرفوع إلى النبي، صلَّى الله عليه وسلَّم، والثاني موقوف على ابن مسعود، رضي الله عنه.

* أورد ابن بطة في "الإبانة الكبرى" أبياتًا لعلي بن أبي طالب، رضي الله عنه، منها قوله:

وذُو الغَفْلَةِ مَغْرُورٌ --- ورَيْبُ الدَّهْرِ يَدْهاهُ

والمراد بريب الدهر: صروفه وحوادثه، أو نوائب الزمان تحديدًا.

ولم يعقِّب ابن بطة على ذلك.

* وممّا يُنسَب إلى الشافعي، رحمه الله، هذان البيتان:

مِحَنُ الزَّمانِ كَثيرَةٌ لا تَنْقَضِي ---- وسُرورُه يَأتِيكَ كالأعيادِ

مَلَكَ الأَكابِرَ فاسْتَرَقَّ رِقابَهُمْ ---- وتَراهُ رِقًّا في يَدِ الأَوْغادِ

* يوصلنا التأمُّل في هذه النصوص وما شاكلها –وهو مجرّد تأمُّل– إلى استنتاجين اثنين:

_ أوّلهما: أنّ اقتران السوء بذكر الدهر عند بعض الشعراء قد لا يكون بمعنى السب أو الذم، وإنَّما هو من باب الوصف أو الإخبار. وهذا المقام هو غير مقام السب الصريح للدهر. ومثله مثل وصف القَدَر وأنّ منه ما هو خير ومنه ما هو شر؛ على أنّ وصفه بالشر هو إضافي إلى اعتبار البشر له كذلك، لا إلى حقيقته المحضة.

_ ثانيهما: أنّ الدهر قد يُذكَر ويراد به الزمان، ويُقصَد بذلك أهل الزمان أو ما نسمِّيه بلغتنا المعاصرة "الظروف"، أي: أفعال العباد الغالبة المتحكمة في مجتمع معيَّن خلال فترة من فترات التاريخ.

ومن ذلك قول الأصمعي، جوابا للذي قال له: "فسد الزمان":

إنَّ الْجَدِيدَيْن في طُول اختلافِهِما ---- لا يَفْسُدانِ ولَكِنْ يَفْسُدُ النَّاسُ

وهذا المدلول يختلف عن الإطلاق الآخر لكلمة "الدهر"، والذي يراد به الحوادث التي لا يد للإنسان فيها، كالموت، والجوائح، والمصائب ... وباختلاف المدلول والمقصود يختلف حكم السب والذم.

وقد ذكر ابن حجر الهيتمي في "الزواجر" أنَّ سَبَّ الدهر، إن أريد به الزمن: فحكمه الكراهة؛ وإن أريد به الله –تعالى- أو القدر: فحكمه الكفر. وإنْ أطلق صاحبُه الكلامَ: فحكمه الكراهة أيضا، لأن الغالب في استعماله إرادة الزمن. والتحفظ الوحيد على الكلام الهيتمي هو إغفاله لمراده بالزمن، وعدم ذكره للفرق بين الزمن الدهر ...

والورع يقتضي تجنب ذلك كله؛ لكنني أوردت ما أوردت اعتذارًا لمن وقع منه ذلك من العلماء أو أفاضل الشعراء. والله أعلم.

واعتذاري إلى الفاضل عدنان البخاري عن مخالفتنا لشروط الباب.

ولئن ابتعدنا عن "عيون" الشعر، فما أرانا جاوزنا أهدابه .. والأهداب إذا مازجها الكحل الأصيل زادت العين جمالا وبهاء ...

ـ[عدنان البخاري]ــــــــ[12 - صلى الله عليه وسلمpr-2009, مساء 01:50]ـ

/// الأخ الفاضل .. الواحدي .. بارك الله في هذا الكحل وزاده بهاءًا .. لا بأس بمثل هذا بل ما أحسنه.

/// ذو الإصبع - حرثان العدواني:

لاهِ ابن عَمِّكَ لا أَفْضَلْتَ في حَسَب ••• عَنِّي، ولا أَنتَ دَيّانِي فتَخْزونِي

ولا تَقُوتُ عِيالِي يَوْمَ مَسْغَبَةٍ ••• ولا بنَفْسِكَ في العَزَّاءِ تَكْفِينِي

يا عَمْرُو إِلاَّ تَدَعْ شَتْمِي ومَنْقَصَتِي ••• أَضْربْكَ حيث تقولُ الهامةُ اسْقونِي

إِنِّي لَعَمْرُكَ ما بابِي بِذِي غَلَقٍ ••• على الصَّدِيقِ، ولا خَيْرِي بمَمْنُون

فإِنْ ترِدْ عَرَضَ الدُّنيا بمَنْقَصَتِي ••• فإِنَّ ذلكَ مِمَّا ليس يُشْجِينِي

لَوْلا أَواصِرُ قرْبَى لَسْتَ تَحْفَظها ••• ورَهْبَةُ اللّهِ في مَوْلىً يُعادِينِي

إِذاً بَرَيْتكَ بَرْياً لا انْجِبارَ لَهُ ••• إِنِّي رأَيْتكَ لا تَنْفَكُّ تَبْرِينِي

إِليكَ عَنِّي، فمَا أُمِّي بِراعِيَةٍ ••• تَرْعَى المَخاضَ، ولا رَأْيِي بِمَغْبُونِ

إِنَّ الذي يَقْبِض الدُّنْيا ويَبْسُطها ••• إِنْ كانَ أَغْناكَ عنِّي سَوْفَ يُغْنِينِي

كلُّ امْرِىءٍ راجعٌ يوماً لِشيمَتِهِ ••• وإِنْ تَخَلَّقَ أَخْلاقاً إِلى حِينِ

وأَنْتُمُ مَعْشَرٌ زَيْدٌ على مائةٍ ••• فأَجْمِعُوا أَمْرَكمْ كُلاً فَكِيدُونِي

فَإِنْ عَرَفْتُمْ سَبِيلَ الرُّشْدِ فانْطَلِقوا ••• وإِنْ جَهِلْتمْ سَبِيلَ الرُّشْدِ فَأْتونِي

ماذا عَلَّي، وإِن كنتمْ ذَوي رَحِمٍ ••• أَلاَّ أَحِبَّكمُ إِذْ لَمْ تحِبُّونِي

واللّهِ لو كَرهَتْ كَفِّي مُصاحَبَتِي ••• لقلْت، إِذْ كَرِهَتْ قرْبِي لها: بِينِي

قلْ للذي لست أَدْري مِن تَلَوُّنهِ! ••• أَناصِحٌ أَمْ على غِشٍّ يُداجِينِي:

إِنِّي لأُكْثِرُ مِمَّا سُمْتَنِي عَجَباً ••• يَدٌ تَشجُّ، وأُخرَى مِنكَ تَأْسُونِي

تَغتابُنِي عِندَ أَقوامٍ، وتَمْدَحُنِي ••• في آخَرِينَ، وكلٌّ عنكَ يَأْتِينِي!

لو كنتُ أَعْرِف مِنكَ الوُدَّ، هانَ له ••• عليَّ بَعْضَ الذي أَصْبَحْت تولِينِي

قد كنت أُولِيكمُ مالِي، وأَمْنَحَكمْ ••• وُدِّي علَى مُثبَتٍ في الصَّدْرِ مَكنونِ

لو تَشرَبُونَ دَمي لَمْ يَرْوَ شاربُكمْ ••• ولا دِماؤكمْ جَمْعاً ترَوِّينِي

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015