قالتْ وَقَدْ فَتَكَتْ فينَا لَوَاحِظُهَا """ كَمْ ذَا أَمَا لِقَتِيْلِ اللّحْظِ منْ قَوَدِ
وأَمطَرَتْ لُؤْلُؤاً مِنْ نَرْجسٍ وسَقَتْ """ وَرْدَاً وعَضَّتْ على العُنَّابِ بِالبَرَدِ
وورد الشطر الثاني من البيت الأول بهذا اللفظ:
ما إن أرى لقتيلِ اللَّحظِ من قودِ
وما أوردتَه أكثر انسجاماً مع السياق.
ولست أدري لماذا كلما قرأت هذا البيت، بدا لي أنّ صوابه أن يقال "وقد فتكت فيها لواحظنا"؟! ولست أدري لماذا يظل يقيني أنّ صوابه كذلك؟!
ولعل الوأواء الدمشقي نظر في بيتيه هذين إلى قول أبي نواس:
يا قمراً أبْصَرْتُ في مأتمٍ - - - - يَندب شجواً بين أتْرابِ
يَبكي فيُذري الدُّرَّ مِن نرجسٍ - - - - ويلطم الوَرْدَ بِعُنَّابِ
وإذا كان الوأواء قد فعلها حقا، فلا جناح عليه، وإنما سرق كما سرق أخ له من قبل .. فقد نظر قبله أبو نواس إلى قول بشار:
مَن راقَب الناسَ لم يَظفَرْ بِحاجَته ---- وفاز بالطيِّبات الفاتِكُ اللهِجُ
فاختصره بلفظ أرق في وزن أخف، وقال:
مَن راقَبَ الناسَ ماتَ غَمّاً ---- وفاز باللذَّةِ الجَسورُ
فمحا بيت بشّار، وخلَّد بيته!
ودار الزمان دورته، وابتلي أبو نواس بمن أتى إلى بيته وزاد فيه، فخرج بخمس تشبيهات أدهشت النقاد، حتى قيل: لن يزيد عليها أحد! فالأول سطا مختزلا، والثاني سطا مطوِّلا؛ لكن كلاهما كان مبدِعاً مذهلا ...
والوأواء لم يكن في "نظره" إلى شعر غيره بسيطا، بل كان يقوم في صنعته بتركيبات كيماوية، لا ينتبه إليها إلا مَن أكثر التردد على "سوق العطّارين" ... فقوله: "وعضَّت على العُنَّابِ بالبَرَدِ" - وهو المعنى الخامس الذي أضافه إلى بيت أبي نواس- إنما سلخه سلخاً من قول ديك الجن الحمصي:
وحاذَرَتْ أَعْيُنَ الواشِينَ وانصرفَتْ - - - - تعضُّ مِنْ غَيْظها العُنَّابَ بالبَرَدِ
وللمتنبي معنى قريب من معاني الوأواء، وذلك في قوله:
تَرْنُو إليَّ بِعَيْنِ الظبْيِ مُجْهِشَةً - - - - وتَمْسَحُ الطَّلَّ فوق الوَرْدِ بالعَنَمِ
ولعل الوأواء "رنا" إليه، لكن بعين ليست بعين ظبي!
أمّا الأخطل الصغير، فلعله نظر إلى بيتي الوأواء .. ولعله كان "كيماويا" أيضا .. ومن الوارد أنه قرأ قول ابن المعتز:
ولَطْمَة خَدٍّ تجعل الوَرْدَ خُرَّما ... وتَنْثُر دمعاً لا يباع بأثمانِ
فأضافه إلى بيتي الوأواء، ثم حرَّك قارورته السحرية، فاستخلص منها بيتيه البديعين؛ وهما من السهل الممتنع ...
والمتأمل لشعر الوأواء، يستنتج أنه كان شديد النظر إلى قصائد ابن المعتز، وأنه "عضَّ على بعض معانيها "بالبَرَدِ"، فاستخرج منها من المعاني ما أنقذه من "سوق البطيخ" بدمشق ...
وظني أن السطو لم يكن ديدن فحول الشعراء، فللذاكرة مسارات غريبة عجيبة؛ وأعجز الناس عن سبر أغوارها صاحبها ومغذِّيها!
وبما أنّ الحديث جرَّنا إلى العيون ودموعها، أضيف هذه الأبيات التي قالها بعصهم، وتُنسَب إلى السري الرَّفَّاء:
بِنَفْسيَ مَن رَدَّ التحيَّة ضاحكاً - - - - فجَدَّدَ بَعدَ اليأسِ في الوصل مطمعي
إذا ما بدا، أبدى الغرامُ سرائري - - - - وأَظْهَرَ لِلعُذَّال ما بَين أضلُعي
وحالت دموعُ العينِ بيني وبينه - - - - كأنَّ دموع العينِ تعشقه معي!
والبيت الأخير طريف المعنى، يذكِّرنا برسول المتنبي؛ عفا الله عنّا وعنه ...
ـ[عبدالله الشهري]ــــــــ[04 - عز وجلec-2008, مساء 12:48]ـ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
البيتان لأبي صخر الهذلي. والمحفوظ:
أَمَا والذي أبْكَى وأَضْحَكَ والذي --- أمات وأحيا والذي أَمْرُه الأمْرُ
لقد تركَتْنِي أَحْسدُ الوَحْشَ أنْ أرى --- أَلِيفَيْنِ منها لا يرُوعُهما الذُّعْرُ
جزاك الله خيرا وما كتبته من جود الذاكرة مع بعد العهد. قال محقق الكتاب (الدكتور على المفضل، ط. دار الفكر): "وفي الشعراء ص567 أنها كانت مما ينحل لقيس المجنون" وأشار أن في بعض النسخ: أغبط الوحش، وفي البعض الآخر: لا يروعهما الذعر، وأثبتَ ما ذكرتُ.
ـ[عبدالله الشهري]ــــــــ[04 - عز وجلec-2008, مساء 01:02]ـ
ومن الشمقمقية [1]، وهي من أشهر الأراجيز وأفصحها مع تأخرها في الزمن، يصف سير الإبل في تصوير جميل:
ولَمْ تَزَلْ تَقْطَعُ جِلْبابَ الدُّجَى = = بِجَلَمِ اليد وسَيفِ العُنُقِ
فمَا اسْتَرَاحَتْ مِنْ عُبُورِ جَعْفَر = = ٍومِنْ صُعُودٍ بِصَعِيدٍ زَلَقِ
إلاَّ وفِي خَضْخَاضِ دَمْعِ عَيْنِها = = خَاضَتْ وغَابَتْ بِسَرابٍ مُطْبِقِ
كَأَنَّمَا رَقْرَاقُهُ بَحْرٌ طَمَا = = والنُّوقُ أمْواجٌ عَلَيْهِ تَرْتَقِي
وكُلُّ هَوْدَجٍ عَلى أقْتابِها = = مِثْلُ سَفينٍ ماخِرٍ أوْ زَوْرَقِ
مَرَّتْ بِها هُوْجُ الرِّياحِ فَهْيَ فِي = = تَفَرُّقٍ حِيناً وحِيناً تَلَْتقِي
وَكَمْ بِسَوْطِ البَغْيِ سُقْتَ سُوقَهَا = = سَوْقَ المُعَنِّفِ الذي لَمْ يَتّقِ
حَتَّى غَدَتْ خُوصاً عِجافاً ضُمَّرا = = ًأَعْنَاقُهَا تَشْكُو طَويلَ العَنَقِ
... ما أجمل وأبلغ هذه الأوصاف.
= = = = = = = = = = =
[1] لا يكاد يوجد من له اهتمام بالأدب والعلم في موريتانيا، بل حتى بعض العوام، إلا ويحفظها كاملة أو بعضها.
¥