فذاك إذن بطبيعته مستهلك مُمتَهن (35)، وهذا لحرمة نَشْأته مَذْخورٌ (36) مُكرَّم.

وأقول: بلأنت تحدّثني عن الإنْسان وقد فَسَق (37) عن تِلاد فطْرته، واسَتْغَواه (38) الشُّحّ حتى انْسلخ من ركاز جبلَّتَه. غَرَّهُ ما أُوتيَ من التدبير، فاقتحم على غَيْب مُدَبَّر، يَعْتسفُه بسَفاهة جُرأته. واستخفّه ما أُعين به من المَشيئة، فهجَم على خْيرٍ مبذول، يستكثِر منه بضَراوة (39) نَهْمَته. فانْبَتَّ من يومئذ فيفَلاةمَطْموسة بلا دَليل، يَظلُّ يكدح فيها كدْحًا حتى يُنادَى للرَّحيل!

جَاءمُيسَّراًلشيء خُلقَ له، فظلمه حقَه حتى عَضِل (40) بأمره فتعسَّر، وهُديَ مسددًاإلىغاية، فَغَفل عنها حتى تبدّد خَطوه واختلّ. ولو دانَ الإنسانُ بالطاعة لِفطْرته المكنونة فيه منذُ وُلِد، لأفْضى إلى خَبْئها (41) التَّليد إذا ما اسْتوىَ نَبْتُه واستحصَد. ولصارَ كلّ عمل يَعْتَمِلُه (42)، تدريبا لما استْعَصى منه حتَّى يلينَ وَيْنقادَ، وتهذيباً لما تراكم فيه حتى يَرِفَّ (43) ويتوهَّج. فإذا دَرِب عليه وصَبَر، أزال الثرى عن نَبْعٍ مُنْبِثق، فإذا ألحّ ولم يَملَّ، انشَقَّت فطرتُه عن َفْيضٍ متدفّق. ويومئذ يُسْفر (44) لَعينيه مَدَب ُّالنَّهجِ الأوّل، بعد دُرُوسه وعِفائه، ويَسْتَشْرِي في بَصيرته وَميضُ الهَدْي المتقادِم، بعد رَكْدته وخفائِه. وإذاكلّ عملٍ يَفْصم عنْه مُتْقَنًا، وكأنّه لم يجْهد في إتْقانِه، وإذا هو مُشرفٌ فيه على الغاية، وكأنه مسلوبٌ كلّ تدبيٍر ومَشِيئة، ولكنّه لايَفْصمُ عنه حين يفصِم، إلاّ مَطْويًا على حُشاشةٍ (45) من سِرّ نَفْسه وحياته، موسوماً بلَوْعَةٍ مُتَضرمة، على صَبْوَةٍ (46) فَنِيتْ في عِشرته ومُعَاناته.

فالعملُ كما تَرَى، هوفي إرثِ (47) طَبِيعته فنٌ مُتمكّن، والإنسانُ بَسِليقة (48) فِطْرَتِه فَنَّانمُعْرِقٌ.

* * *

وإنّي لَمُحدِّثك الآنَ عن رجُلٍ من عُرض البشَر (49)،يَتَعيش بكدِّ يَديْه، صابَرَ (50) الفاقةَ عامَيْن، يعمَل عملاً يُفْلِتُ نَفَسًامن الغنى إليه، أغواهُ ثَراء يَبْهرهُ، فما كاد يُسْلِمه للبَيْع حتى بكَىعليه.

لمأعْرفُه، ولكن حدَثني عنه رجُلٌ مثْلُه عَمَلُه البَيان، ذاك فِطْرتُهفييَدَيه، وهذا فطْرتُه في اللِّسان.

* * *

هذاعامرٌ أخو الخُضْر:توجَّسَتْ (51) به الوحْشُ من عِرْفانها شدّةَ نِقْمته، جاءتْ ظامئة في بَيْضَةالصيف (52)، فراعَهامَجْثَمهُ في قُتْرتِه. قليلُ التِّلاد، غيرَ قوسٍ أو أسْهُمٍ، خفيّالِمهَاد، غيَر مُقْلة تتضرَّم. تبيَّنتْ لَمْحَ عَيْنيه، فانقلبَت عن شريعةالماءهاربة، ذكرت نِكاية مَرْماهُ، فآثرت مِيتَةَ الظَّمأ على فَتْكة الأسْهُمالصائبة.

وماعامرٌ وقَوْسَه؟!

ـ[العاصمي من الجزائر]ــــــــ[29 - Nov-2008, مساء 01:21]ـ

1 ـ فَدَعِ الشَّمَّاخَ يُنْبِئْكَ عنقَّواسِهاالبَائِس في حَيْثُ أَتاَهاَ:

2ـ أيْن كاَنتْ فيِ ضَمِير الغَيْبِ منْ غِيلٍ (53) نَماَهاَ؟

3 ـ كَيْف شقَّتْ عينُهُ الحجْبَ إليْها، فاجْتَبَاهَا (54)؟

4 ـ كَيْفَ يَنْغَلُّ (55) إلَيْهاَ فيِ حَشاَ عِيصٍوقاَهَا؟

5 ـ كَيْفَ أَنحى (56) نَحْوَها مِبْرَاتَهُ، حتى اخْتَلاَهَا؟

6 ـكَيْفَقَرَّتْ فيِ يديه، واطْمأنَّتْ لِفَتَاهَا؟

7 ـ كَيْفَ يَسْتَودِعُهاالشَّمْسَعَامَيْن .. تَرَاهُ وَيَرَاهَا؟

8 ـ كَيْفَ ذَاقَ البُؤْس .. حتىشَربَتْماَء لِحاَها (57)؟

9 ـ كَيْفَ نَاجَتْهُ .. وَنَاجَاها .. فَلاَنَتْ .. فَلوَاهَا؟

10 ـ كَيْفَ سَوَّاهَا .. وَسَوَّاهَا .. وَسَوَّاهَا فَقَامَتْ .. فَقَضَاهَا؟

11 ـ كَيْفَ أَعطَتْهُ منَ الِّليِن، إذَا ذَاقَ (58)،هَوَاهَا؟

12 ـ أيُّ ثَكْلَى أَعَولَتْ إذْ فَارَقَ السَّهْمُ حَشَاهَا؟

13 ـكَيْفَيُرْضِيهِ شَجَاهَا؟ كَيْفَ يُصْغِي لبُكاَهَا؟

14 ـ كَيْفَ ريعَالوَحْشُمِن هَاتِفِ سَهْم إِذْ رَمَاهَا؟

15 ـ كَيْفَ يَخْشَى طَارِقاً، فيِلَيْلةٍيَهْمِي (59) نَدَاهَا؟

16 ـ كَيْفَ رَدَّاهَا (60) حَريرَ البَزِّحِرْصاًوَكسَاهَا؟

17 ـ كَيْفَ هَزَّتْهُ فَتَاهَا؟ وَتَعالَى وَتَبَاهى؟

18 ـكَيْفَ وَاَفى مَوْسَم الَحج بِهَا؟ .. مَاذَا دَهَاهَا؟

19 ـ أيُّ عَيْنٍ لَمَ حَتْسرَّهُمَا المُضْمَرَ؟ .. بَلْ كَيْفَ رَآهَا؟

20 ـ انبَرَىكَالصَّقْرِيَنْقَضُّ إلَيهَا .. فَأَتَاهَا!!

21 ـ مَسَّهَا ذُو لَهْفَة تَخْفى .. ، وَإنْ جَازَتْ مَدَاهَا

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015