فسَلْ كل حيًّ: كيف تعملُ؟ ولِمَ تعمَلُ؟ ومَنِ الذّي عَلَّمَكَ وهَدَاك؟ ومَنِ الإمامُ الذي سَنَّ لك الطريقَ (9)؟ وبأيّ عبقريّة يأتي إبداعُك؟ ولمَ كان عملُك نَسَقاً (10) مُنْقادًا لا يتغير؟ وكيف كَانتْ مهَارتُك تُراثاً (11) مُؤَبَّدًا لا يتبدل؟ وحذْقُك طَبْعاً راسخا ًلا يتحوَّل؟ ولم صارتْ سُنّة (12) الأوائل منكم لِزَاماً علىالأواخر؟ ومِنهاج (13) الغابرين شَرَكاً للوارثين! بل كيف أخطأ الآخرُ منكُمْ أن يَسْتدرِك عَلَى الأوَل؟ والخَلفُ أن يُنَافس صَنعْةَ السَّلَف؟ وعَجَباً إذنْ! كيف صارَكُلّ عملٍ تَعْمَله مُتْقناً، وأنت لم تَجْهَدْ في إتقانه؟ وأنى بلغتَ فيه الغاية، وأنت مسلوبٌ كلّ تدبيرٍ ومَشِيئة؟ وما أنتَ وعملُك؟ أتحبُّه وتألفُه؟ أم تَشْنَؤُه (14) وتسأَمُه؟ أتُخامُرك نَشْوة الإعجابِ؟ أبدعتَ فيه؟ أم تنتَابُك لَوْعةالحُزْن إذ أصابه ما يُتْلِفُه أويؤْذيه؟ ألم تسألْ نفسكَ قطُّ: فيمَأعمَل؟ ولمَ خُلِقت؟ وفيمَ أعيشُ؟

وأناعلى يقين من أنّك لن تسمَعَ جواباً إلاالصَّمَت المُستَنِكرَ، والذُّهولَ المُعرضَ، والصمَم المُسْتَخِفَّ الذي لايَعْبَأ.

* * *

إلاّالإنْسانُ!! إلاّ الإنْسان!!

ليتَشِعْري كيف كَانَمَدْرَجُ (15) أوَّله على أمِّه الأرض؟ وأيُّ هَدْيٍ كان لَفَرطه في مَطْلَعِ الفجْر؟

إنّه ككلّ حيّ، لم يُخْلَق سُدًى (16) ولم يُتْرك هَمَلاً. سلَك له ربُّه النَّهْجَ الأوّل (17) حتى يتكاثَر، وآتاهُ الهدْيَ القديمَ حتّى يَسْتَحْكِمَ، وسدَّد يَدَيْه حتى يشتدّ، وأنارَ بَصِيرتَه حتى يَسْتَكِمل، وأنْبَطَ (18) فيه ذخائرالفطْرة حتى يَسْتبحِر، وفَجَّرَ فيه سَرائرَ الإتقان حتى يَسُودَ ويتملَّك، وعلّمه البَيانَ حتى يَسْتَفْهِمَ، وكرَّمه بالفَتْحِ حتى يَتَغلَّب.

فلّما ثَبَتَ عليها وتأيَّد (19)، وتأَثَّل فيها وعَمَر، نَظَر إلى معروفها فاعتَبَر، وهجَم على مَجهولها فاستنكَرَ، فكأنَّهُ من يومئذٍ حادَ (20) عن النهج الذي لايخَتلّ، ومَرَق من الهَدْي الذي لا يتبدّل.

ابتُليَ من يومئذ فتَمرَّس (21)،وأُسلِم لمَشِيئته فتحيَّر. جارَ وعَدَل، فعَرف وجرّبَ. أخطأَ وأصاب، ففكّر وتدبر. نزع (22) إلى النهج الأوّل، فأخفَق وأدرك. تاق إلى الهدي القديمِ، فأعْطِي وحُرِم. احتَفر (23) ذخائر الفِطرة، فأَكْدَت عليه تارَةً ونَبَعْت. التمس شواردَ الإتقان، فنَدّتْ (24) عليه مرَّةً واستقادتْ. وإذا كلُّ صُنْعٍ يتقاضاه حَقُّ إحسانِه، وكلّ عملٍ يَحنُّ بِه إلى قرارِة إتْقانه. فعندئذ حاكَ الشكُّ في صدْر اللاحقِ، حتىقَدَحفي تمام صُنْع السَّابِقِ، فَاسْتدرَك عليه. وقلِقَ الوارثُ، حتى خاف تقصيرَالذاهب، فاستنكفَ الإذعانَ إليه. فكذلك جاشتْ نفسُه (25)، حتى انْدفقت صُبابةٌ منها فيمايعمل، وتَضَرَّمَ قلبُه، حتى ترك مِيسَمه (26) فيما أنشأ فَتَدَلَّهَ بصُنْع يديْه، لأنّه استودعه طائفة من نفسه، وفُتِن بما اسْتَجَاد (27) منه، لأنه أفْنَىفيه ضِراماً من قْلبه. ِ وإذا هو يَسْتَخِفُّهُ الزَّهْوُ (28) بما حَازَ منه ومَلَك، ويُضنِيه الأَسَى عليه إذا ضاع أوْ هلَك.

هذاهُوَ الإنسان وعملُه. فإذا دبَّت بِينَهما جَفْوة تَخْتل (29) النَّفس حتى تَمَلّ وتَسْأم، أوْ عَدَتْ اليهما (30) نَبْوةتُراودُ القلبَ حتى يَميل ويُعرضَ، انطمستْ عندئذٍ أعَلامُ (31) النهج الأوّل، وركدتْ بَوارقُ (32) الهدْيِ المُتقادِم، وبقي الإنسانُ وحيداً مَلُوماًمحُسوراًلا يزال يسْأل نفسَه: فيمَ أعملُ؟ ولم خُلِقت؟ وفيَم أعيش؟ فما يكون جوابُه إلاَ حَيْرةً لا تَهْدَأ، ولهيباً لا يَطفَأ، وظَلاماً لا يَنْقِشع.

* * *

بل حَسْبي وحسُبك. فلقد خشيتُ أن تقول لي: إنّما أنتَ تحدّثني عن الفنّ، ـفهذه صفِة أهله ـ لا عن العمل، فليس هذا من نَعْتِه! وكأنّي بك قد قلتَ: إنَ الفنّ تَرَفٌ مُسْتَحْدَثٌ، أما العمل فشقاء مُتَقادِم. هذا مّما تَعجَّله الإنسانُ وعاناهُ لقَضاء حاجته، وذاك مّما تَأنَّى فيه وصافَاه (33) للاستمتاع بلذّته. والإنسان إذا جوَّدَ العمل، فمُنْتهَى هَمِّه أن يجعلَه على قضاِء مآرِبه أعْوَنَ، أويكونَ له في أسباِب معيشته أنَجح وأربح. أمّا الفنّ، فَثَمَرة لغَير شجرته، يَسْقيها متأنِّق (34) من ينابيعَ ثرَّةٍ في وُجْدانه، وينْضجُها مشغوفٌ بِلاعجٍ منْ وَجْده وافتتانِه، في غير مَخَافةٍ مَرْهوبة، ولا مَنْفعة مَجْلوبَة،

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015