ولنقرّبْ هذهِ الصورةَ الخطيرةَ .. فمثلا في المجالِ الاقتصاديّ .. لا حظَ (كولماس) في دراسةٍ له هبوط مستوى دخلِ الفردِ في البلاد التي تتعدد لغاتها مقارنةً بالبلاد التي يقل فيها هذا التعددُ (ففي بريطانيا التي يبلغ سكانها 57 مليون نسمة بلغ متوسط دخل الفرد سنة 1988م ما يقارب 12810 دولارا، بينما بلغ متوسط دخل الفرد في الفلبين ذات التسعة والخمسين مليونا من السكان الذين يتكلمون 164 لغة ما يقارب 630 دولارا.
أما اليابان التي بلغ عدد سكانها سنة 1988 م ما يقارب 122مليون نسمة والتي يتحدث السكان فيها خمس لغات فقد بلغ متوسط نصيب الفرد فيها من الناتج الإجمالي 21020 دولارا، بينما بلغ نصيب الفرد من الناتج الإجمالي القومي في إندونيسيا البالغ عدد سكانها 174 مليون نسمة يتحدثون 659 لغة 440 دولارا فقط ... )
ثم ختم الباحث دراسته بقول جوناثان بول: (البلاد المجزأة لغويا بشكل كبير بلاد فقيرة أبدا) (انظر: اللغة العربية في عصر العولمة، د. أحمد الضبيب، ص 184)
فالانسجام اللغوي ـ كما يقول الأستاذ الكبير د. أحمد الضبيب ـ من أهم الوسائل للنجاح الاقتصادي .. (اللغة العربية في عصر العولمة ص 183ـ 184)
لذا جمعَ الأعداءُ أكبرَ كَيدهِم في ساحاتِ اللغةِ لعلمِهم أنّ التّعدديةَ اللُّغويةَ تضعفُ عقلَ الأمةِ وجسدَها، وتُزحزحُها عن دينِها وتفصلُها عن تراثِها، وتضعضعُ أركانَ حياتِها (الاجتماعيةِ والاقتصاديةِ والسّياسيةِ ... )
(3)
العاميةٌ .. نقصٌ في العقلِ وتخلفٌ عن الابتكارِ والإبداعِ .. !
يؤكد الأستاذ الكبير د. مرزوق بن تنباك أن: (الاهتمام بالفكر العامي مصدر تشتيت وإرباك للذهن وبلبة لن تنتهي عند حد لو ترك لمفكري العامية السير بفكرهم كما يريدون، فهم أولا: لن يجتمعوا على لهجة عامية واحدة، وهم ثانيا: لن يستطيعوا تنظيم اللهجة التي يريدون لها البقاء والاستمرار .. ) (الفصحى ونظرية الفكر العامي، ص 116)
إذن العاميةُ ستدحرجُ عقولَ الأمةِ، وتقلّبها في دركاتِ الجهلِ والتّخلفِ، وهي جسدٌ بلا روحٍ، يقول الأديبُ الكبيرُ شوقي ضيف ـ رحمه الله تعالى ـ: (ومن المؤكد أن العامية على الرغم من طواعيتها لنا في الحديث كل الطواعية لا تحمل لنا علما ولا فكرا عميقا ولا نظريات سياسية أو اقتصادية ولا تشريعات وقوانين ولا دراسات سيكولوجية أو اجتماعية ولا دينا وأعمالا روحية إنها لهجة قلما تحمل لنا أعمالا وراء مطالب الحياة والفكر اليومي ... ) (محاضرات مجمعية، ص: 259)
والعاميةُ لغةٌ إقليميةٌ لا يفهمُها إلا أصحابها، فحركةُ انتشارِها في المدينةِ الواحدةِ ضيقٌ محدودٌ، فهي ليستْ ـ كما يروّجُ لها ـ لغةً شعبيةً!
(4)
مواقفٌ مؤلمةٌ مُبكيةُ .. !
في معاقلِ الفصحى .. في مدارسِنا وجامعاتِنا .. تظهرُ هذهِ المأساةُ .. فالعربيةُ لغةٌ غريبةٌ في ألسنةِ الأساتذةِ والطلابِ وأذكرُ أننّي دخلتُ على طلابِ الصّفِ السّادسِ الابتدائي فقرأتُ عليهم شيئًا من الشّعرِ الفصيحِ فأثارَ ضحكهَم وسخريتَهم .. فانظرْ إلى هَذه الهُوةِ!
ويقولُ صديقي الشّاعرُ المبدعُ: عبدالله العطّاس ـ وهو مدرسٌ في إحدى الثانوياتِ في المملكةِ ـ: وكم أصبت بالأسى حين طلبت من بعض الطلاب تقديم ما لديهم من محاولات أدبية فلم يصلني غير الشعر العاميّ!
فالعاميةُ ـ يا للأسف ـ أصبحتِ المحطة الأولى والأخيرة في الأدبِ، فلا يعرفُ أبناءُ العربيةِ غيرها .. !
والمؤلم أن هذا الانحدارَ لم يسلم من شرهِ المتخصصونَ فهذا الشاعرُ الكبير والأستاذ الجامعي د. عبد الله الرشيد يذكرُ (في كتابه السيف والعصا، ص: 10) أنّه طلبَ من أحدِ تلاميذِهِ أن يسمي له شاعرًا من شعراءِ الفُصحى الذين ملؤوا تاريخنا الذهبيّ فلم يهتد إلا إلى شاعر عاميّ .. !!
ومن الكوائنِ أنني حاورتُ طالبًا مُتخصصًا على عتبةِ التخرجِ ـ ويا ليتَني لم أحاورهُ ـ فوجدتُهُ يخلطُ بينَ الفصحى والعَاميةِ ولا يعرفُ من تاريخِ لغتِهِ شيئًا ويجهلُ أبجدياتِ الإملاءِ ورسمِ الحروفِ بلْ وصلَ جهلُهُ إلى شرفِ القرآنِ الكريمِ وسموِهِ حينِ قالَ: إنّ فيهِ نصيبًا من العَاميةِ وهي القراءاتُ السّبعُ!
... إلى هُنا حتّى لا تتقطع نُفوسُ الغيورينَ!
فإنّا للهِ وإنا إليهِ راجعونَ .. !
(5)
الكفار .. يحاربون من أجل لغاتهم .. !
...
¥