و اعلم أخي الكريم: أن كاتب هذه الكلمات ليس الشّعر و النقد من بضاعته .. إنما هو تاجر متنقل يجلب البضائع و يمشي في الأسواق .. و إنما علقت ما علقته لأني كنت قديما قرأت أشياء عن الفلاسفة القدماء و قرأت لمن نقدهم كالغزالي و ابن تيمية فعلق بذهني مذهب سقراط و أصحابه .. فلما قرأت استشكال الأخ الفاضل، ذكرت تلك النكتة. فإن أصبت فمن توفيق الله و حسن عونه و إن أخطأت فمن نفسي البعيدة عن نَفَسِ الشعراء و الأدباء.
ـ[أبوالليث الشيراني]ــــــــ[17 - Oct-2010, مساء 11:53]ـ
لو كان الشّعر يُوزن بميزان الشّرع، ويُنتقدُ بالكتابِ والسّنة و الإجماع و ... ومذهب السّلف ما سَلَكْنَا في عقده شاعراً واحداً .. لا أستثني إلا شعراء الرسول (ص) ..
فالعجبُ ممن يقصد إلى شعرٍ فيخطّئَ صاحبَه (شعريا-أدبيا) لأنه تغنى بمحاسن امرأة أجنبية، أو تشبّب بجارته التي لا تحل له، أو تعلّق بغلام أمرد صبوح الوجه .. أو وصف الخمرة وأثنى عليها .. أو ذهب إلى قبر و تبرك به .. أو غلا في مدح الرسول (ص) .. أو كره من المرأة احتجابها فذمّ الحجاب و نادى بالسّفور .. أو .. أو ..
فيتعقبه قائلا هذا لا يجوز شرعا .. و النظر إلى الأجنبية منهي عنه .. و لا يحل شرب الخمر و مدحها .. و القبورية هدمها الدين الإسلامي .. و الحجاب مأمور به في الكتاب و السنة ومن جحده فهو كافر زنديق ..
ليس من مهمّة الناقد الأدبي-في نظري- الحكم على عقيدة الشاعر أو مذهبه في الحياة .. ولا يهمّه إن تزندق أو كفر أو ابتدع أو خالف السّنة و السلف الصالح .. ليس هذا من صناعته و اختصاصه ولو وضع هذا في حسبانه و هو يدرس شعره لظلمه ولم ينصفه ..
هذا الميزان (=الميزان الشرعي و الأخلاقي) يُستعمل-في نظري- في الدّراسات الشرعية (العقدية والفقهية) و يوزن به من تكلّم في الشرع و اندرج في زمرة العلماء الشرعيين .. أما الشعراء الهائمون في كل واد؛ فليسوا من العلماء الشرعيين؛ المتفقهين أوالمتكلمين في العقائد ..
أخطاءُ الشّعر و عيوبه معروفة .. ألّف الناس فيها كتباً و بسطوا القول فيها .. وما رأيتُ أحدهم خطّأ شاعرا لأنه قال:
فَمِثْلِكِ حُبْلَى قَدْ طَرَقْتُ ومُرْضِعٍ * فَأَلْهَيْتُهَا عَنْ ذِي تَمَائِمَ مُحْوِلِ
إِذَا مَا بَكَى مِنْ خَلْفِهَا انْصَرَفَتْ * بِشَقٍّ وتَحْتِي شِقُّهَا لَمْ يُحَوَّلِفتعقبه بقوله الزنا حرام و هو أشد حرمة بالمتزوجة المحصنة .. إنما عابوا عليه ذكره للحبلى و المرضع في سياق شعره .. ولم يولوا ما فيه من البداءة و الفحش .. و أنصفوه عندما قالوا ليس فحاشة المعنى في نفسه مما يزيل جودة الشعر فيه.
//////
هذا .. وكلامنا مع شوقي ليس كلاما في الأخلاق و التّدين و الالتزام .. أو كلاما في مذهبه الأخلاقي وآرائه العقدية و الفلسفية .. إنما هو فيما استشكله أخونا السلفي المصري من قوله أن سقراط نادى بحقيقة التوحيد .. و سقراط كما يقول الأخ مشرك غير موحد؛ فاستشكلَ ذلك و خطّأه في هذا التمثيل .. فأجبته بأن شوقي عارف بمذهب سقراط لا تخفى عليه مقالته .. ثم وجّهت كلامه بما يوافق قصده و يقرره التّاريخ ولا يتناقض مع فهم أخينا السلفي، وهي النكتة التي غفل عنها.
وليس فيما قلته دفاعٌ عن شعره الإباحي، أو المجوني، أو مخالفاته الشرعية أو وقوعه في الشّركيات فوالله لا أحفظ لشوقي إلا أبيات معدودة ولم أقرأ عنه إلا ما قرأته في الصف الثانوي ..
وإني لم أقل عنه أنه كان عالما بالشرع متشبعا بالثقافة الشرعية و إنما ذكرت أنه لم يكن عاريا من علم التاريخ و الفلسفة و الديانات = (أقصد تاريخ الأديان و الديانات القديمة) .. لأنه يوظف هذه العلوم كثيرا في شعره .. مما ينبئ عن تشبعه بها.
و اعلم أخي الكريم: أن كاتب هذه الكلمات ليس الشّعر و النقد من بضاعته .. إنما هو تاجر متنقل يجلب البضائع و يمشي في الأسواق .. و إنما علقت ما علقته لأني كنت قديما قرأت أشياء عن الفلاسفة القدماء و قرأت لمن نقدهم كالغزالي و ابن تيمية فعلق بذهني مذهب سقراط و أصحابه .. فلما قرأت استشكال الأخ الفاضل، ذكرت تلك النكتة. فإن أصبت فمن توفيق الله و حسن عونه و إن أخطأت فمن نفسي البعيدة عن نَفَسِ الشعراء و الأدباء.
أما شقّ كلامك الأول , فمكرور لا يضيء الموضوع هنا بضياء , ولست أخالفك فيه بتاتا ..
وليس في كلامي ما ينقضه أصلاً وفرعاً!
...
وأما شقه الآخر فطويل يختصر فيما علمت عليه بالحمرة ..
ولم أردّ على ردك هذا إلا عندما زعمت أنت , فقلت:
(أمير الشّعراء شوقي -رحمه الله- أعقلُ من أنْ يبحثَ عن حتفه بظلفه، و يجدعَ مارن أنفه بكفّه!! .. و هو -لعمري- أوسع من أن يقع في مثل هذا الضائق المضيق!!، الذي لا يسلم معه شاعرٌ من ناقدٍ لاذع، أو فاضح شامت .. فكيف بمن سُلّم له بإِمْرَةِ الشّعر، وقعد له النّقادُ كلَّ مَرْصَدٍ ..
فهو لم يوظف تلك الأعلام التّاريخية في شعره، ليتبجّح بمعرفة أسمائها اليونانية والمصرية القديمة، ويزهو بإغرابها على أدباء العربية، العارين من معرفة الآداب الأجنبية ..
لم يوظفها إلا بعد معرفته بمذاهبها و مقالاتها .. فالرجلُ لم يكن عارياً من علم التاريخ والأديان والفلسفة .. ، يورد منه في شعره ليخبط خبط عشواء، و يُذبح بدون سكين!!)
وفي كلامك السابق من التهافت ما أجمله في نقطتين:
- أنت الذي قرنت فضل إمارته بالشعر في عباراتك الأول , وجمعت بين الفضل الشخصي, والحقيقة العلمية.
- وقلت أنه لم يكن عارياً من علم التاريخ والأديان والفلسفة!
وهذا الكلام كبير , وهو الذي سبب معارضتي لك.
أشكرك على روحك العذبة.
¥