كله مجتمعا فيه. قاله القرطبي في تفسيره (1/ 270)
ووما يحسن عرضه هنا ما نقل عن الحسن البصري في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) قال: (أكثر ما كان يصيب الحدود في ذلك الزمان المنافقين فأمر عليه الصلاة والسلام أن يغلظ عليهم في إقامة الحدود)
وقال ابن أبي زمنين المالكي في تفسيره (2/ 30) في قوله تعالى (فلا تخشوا الناس) في إقامة الحدود على أهلها من كانوا (واخشون) في ترك إقامتها.
وروى أبو عبيد في الأموال (518) حدثني يحيى بن عبد الله بن بكير وعبد الله بن صالح قالا حدثنا الليث ابن سعد قال حدثني عقيل بن خالد عن ابن شهابمرفوعا في كتاب للنبي صلى الله عليه وسلم كتبه بين المسلمين من اهل يثرب ومسلمي قريش, وفيه: (وأنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة أو آمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثا أو يؤويه فمن نصره أو آواه فإن عليه لعنة الله وغضبه إلى يوم القيامة لا يقبل منه صرف ولا عدل)
قال أبو عبيد القاسم بن سلام في الأموالل (ص265): (المحدث كل من أتى حدا من حدود الله عز وجل فليس لأحد منعه من إقامة الحد عليه)
فصل
ومن الأمور التي يشاغب بها العلمانيون أهل المشاكسة والتدليس, أن في إقامة الحدود تكثيرا لأصحاب العاهات والمعوقين. وجعلوا يزينون هذا الباطل اللجلج في عيون واسماع الناس بما وجدوه عندهم من ألوان التلبيس والتزوير والتهويل. وصاروا لا يخلون محاضراتهم ومؤلفاتهم وصحفهم المعدة للنيل من سمعة الإسلام وأهله من وسوسة في قلوب ضعفاء المنتسبين للإسلام وتزوير لحقائق الأمور الواضحات عندما يريدون كف الناس عن تسليم قلوبهم لله رب العالمين من سكان نصف الكرة الأرضية الشمالي.
فمما ينبغي أن يعلم ويرفع به الصوت في مجامع الناس ونواديهم, أن للحدود أثرا عظيما جدا في استقرار الحكم. وتشييد بنائه, فإن إقامة حد واحد من حدود الله تعالى له من الأثر العظيم ما يخفى على أمثال هؤلاء العمي, فهي زواجر مصلحة, ووسائل تأديب ومنفعة. وشعيرة من شعائر الشريعة وصمام أمان وأمنة.
قال الشاطبي في الموافقات (1/ 237): (إقامة الحدود والقصاص مشروع لمصلحة الزجر عن الفساد وإن أدى إلى إتلاف النفوس وإهراق الدماء وهو في نفسه مفسدة) وقال (2/ 149): (وإنما قصد الشارع جلب مصلحة أو درء مفسدة كالقصاص والعقوبات الناشيءة عن الأعمال الممنوعة فإنها زجر للفاعل وكف له عن مواقعة مثل ذلك الفعل وعظة لغيره أن يقع في مثله أيضا) وقال (2/ 54): (إن المصلحة ليست الازدجار فقط بل ثم أمر آخر وهو كونها كفارة لأن الحدود كفارات لأهلها وإن كانت زجرا أيضا على إيقاع المفاسد) وقال (2/ 191): (فإن الشارع لم يضع تلك الحدود إلا لتجري المصالح على أقوم سبيل بالنسبة إلى كل أحد في نفسه)
والذي يقرأ كلام هؤلاء النتنى يحسب ـ وقد صرحوا بذلك مرارا ـ أن من لوازم تطبيق الحدود الاجتهاد في رفع كل مقترف لما يوجبها إلا السلطان أو نوابه, فيوظف الموظفون لتتبع الناس والتجسس عليهم والبحث عن مرتكب منهم لكبيرة توجب حدا, وهذا ظلم للشريعة وكذب, فإن من مقاصد الشريعة عند تطبيق الحدود الستر على مرتكبي هذه القاذورات والحرص على عدم رفع أخبار الناس إلى الأئمة والأمراء.فقد روى أبو داود والنسائي عن ابن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تعافوا الحدود فيما بينكم , فما بلغني من حد فقد وجب) بل حض الشرع على محاولة إيجاد مخرج لمن رمي بشيء مما يوجب حدا.فكان النبي صلى الله عليه وسلم يلقن المقر بالزنا ما يدفعه عنه كما قال لماعز: (لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت, وفي رواية أنه استنهكه فلم يجد منه ريح الخمر وسأل الناس: أبه جنون. يحاول أن يدفع عنه الحد. وحاول درأ الحد عن الغامدية فدفع عنها ذلك تارة بدعوى انتظار وضعها وتارة بانتظار فطام الولد حتى قال حينما وضعت: (إذا لا نرجمها وندع ولدها صغيرا ليس له من يرضعه فقام رجل من الأنصار فقال: إلي رضاعه يا نبي الله , فرجمها رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه مسلم. بل لاحظ أنه قد أوجب الله شهادة أربعة شهداء لإثبات الزنا فهيهات أن يصل شيء من هذه القاذورات إلى الإمام إلا نادرا, وإلا إن جاء الزاني معترفا, بل إن الشرع لا يقبل اعترافه إلا بعد أربع. ولا
¥