دون الصلاة وفعل ذلك نساؤه ونساء أصحابه)
ومثل حديث ابن عمر هذا ما رواه البخاري (3288) ومسلم (1688) عن عائشة رضي الله عنها أن قريشا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا: ومن يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه أسامة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتشفع في حد من حدود الله ثم قام فاختطب ثم قال: إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)
فتأمل قوله صلى الله عليه وسلم: (إنما أهلك الذين من قبلك) ليعلم أن ترك إقامة الحدود من أكبر أسباب الهلاك. فإن كانوا أهلكوا بسبب التفرقة في الحدود فكيف الحال فيمن تركها كلية!؟ وانرظ كيف أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على أسامة حبه وحبيبه. فإن كان هكذا إنكاره شفاعته لإيقاف حد على أحد, فكيف بمن سعى في رده والمنع من العمل به , بل فيمن يسخر من حد أو يعيبه؟!
وتأمل قوله (أهمهم شأن المرأة المخزومية) أي أحزنهم. ومع ذلك أقيم الحد. فلا عبرة بحزن أحد, ولا رأفة في إقامة الحد على أحد. كما قال تعالى (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) فجعل إقامة الحد علامة من علامات الإيمان بالله واليوم الآخر! ولا تجعل رحمة المحدود مانعة من حده, كما لا تجعل رحمة الشاة مانعة من ذبحها يوم العيد كما قال بعض الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم: (يا رسول الله إني لأذبح الشاة وأنا أرحمها؟ فقال: ولك في ذلك أجر) روى ابن أبي شيبة في المصنف (5/) 535بإسناد صحيح عن كيع عن سفيان عن بن أبي نجيح عن مجاهد (ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله) قال: (في إقامة الحد يقام ولا يعطل) قال الحافظ ابن حجر في الفتح (12/ 158): (المراد بتعطيل الحد تركه أصلا أو نقصه عددا)
قال ابن كثير في تفسيره (3/ 262): (أي لا ترجموهما وترأفوا بهما في شرع الله وليس المنهي عنه الرأفة الطبيعية على إقامة الحد وإنما هي الرأفة التي تحمل الحاكم على ترك الحد فلا يجوز ذلك) وهذا قول أهل التفسير. قال أبو عمر ابن عبد البر المالكي في التمهيد (5/ 332): (إنما أريد به أن لا تعطل الحدود وأن لا يأخذ الحكام رأفة على الزناة فيعطلوا حدود الله ولا يحدوهم وهذا قول جماعة أهل التفسير) وقال القرطبي المالكي في الجامع (12/ 165): (أي لا تمتنعوا عن إقامة الحدود شفقة على المحدود, وهذا قول جماعة أهل التفسير) وقال النسفي في تفسيره (3/ 134): (المعنى أن الواجب على المؤمنين أن يتصلبوا فى دين الله ولا يأخذهم اللين فى استيفاء حدوده فيعطلوا الحدود)
وقال ابن العربي المالكي في أحكام القرآن (3/ 334): (اختلف السلف فيها, فمنهم من قال (ولا تأخذكم بهما رأفة) فتسقطوا الحد ومنهم من قال (ولا تأخذكم بهما رأفة) فتخففوا الحد وهو عندي محمول عليهما جميعاً فلا يجوز أن تحمل أحداً رأفة على زان بأن يسقط الحد أو يخففه عنه)
ومن متين العلم قول المروزي في تعظيم قدر الصلاة (2/ 571و572): (فإن الله عز وجل أوجب على الزانيين الحد وأمر بإقامته عليهما ونهاهم أن يأخذ بهما رأفة فيعطلوا عنهما الحد الذي أوجبه الله عليهما رأفة منهم بهما فالرأفة على وجهين رأفة تدعو إلى تعطيل الحد وهي المنهى عنها ورأفة تدعو إلى إقامة الحد عليهما شفقة عليهما من عذاب الآخرة فهذه غير منهى عنها فالنبي صلى الله عليه وسلم قد كان بالمؤمنين رؤفا رحيما وكانت رأفته بهم لا تحمله على تعطيل الحدود عنه فالرأفة التي تدعو إلى تعطيل الحد منهية عن النبي صلى الله عليه وسلم والرأفة التي وجبت للمؤمنين بالإيمان هو موصوف بها ألا تراه كان يقيم الحدود عليهم مع ظهور شدة ذلك ومشقته عليه ولولا رحمته ورأفته لما شق عليه) وهذا كلامه يفوح عبق إيمان وريح علم راسخ. بل إن أهل العلم اشترطوا في الإمام أن يكون ممن لا تلحقه رقة في إقامة الحدود ولا فزع من ضرب الرقاب ولا قطع الأبشار والدليل على هذا كله إجماع الصحابة رضى الله عنهم لأنه لا خلاف بينهم أنه لا بد من أن يكون ذلك
¥