3 - عوامل جغرافية تتمثل فيما بين سكان المناطق المختلفة، من فروق في الجو، وطبيعة البلاد وبيئتها وشكلها وموقعها، وما إلى ذلك. فلا يخفى أن هذه الفروق والفواصل الطبيعية تؤدي عاجلا أو آجلا إلى فروق وفواصل في اللغات.
4 - عوامل شعبية تتمثل فيما بين سكان المناطق المختلفة من فروق في الأجناس والفصائل الإنسانية التي ينتمون إليها والأصول التي انحدروا منها، فمن الواضح أن لهذه الفروق آثارا بليغة في تفرع اللغة الواحدة إلى لهجات ولغات.
5 - عوامل جسمية فيزيولوجية تتمثل فيما بين سكان المناطق المختلفة من فروق في التكوين الطبيعي لأعضاء النطق فمن المحال مع فرق كهذه أن تظل اللغة محتفظة بوحدتها الأولى أمدا طويلا.
فانقسام المتكلمين باللغة الواحدة تحت تأثير هذه العوامل إلى جماعات متميزة، واختلاف هذه الجماعات بعضها عن بعض في شؤونها السياسية والاجتماعية، وفي خواصها الشعبية والجسمية وفيما يحيط بها من ظروف طبيعية وجغرافية، كل ذلك وما إليه يوجه اللغة عند كل جماعة منها وجهة تختلف عن وجهتها عند غيرها، ويرسم لتطورها في النواحي الصوتية والدلالية وغيرها منهجا يختلف عن منهج أخواتها، فتتعدد مناهج التطور اللغوي حسب تعدد الجماعات، ولا تنفك مسافة الخلف تتسع بين اللهجات الناشئة عن هذا التعدد حتى تصبح كل لهجة منها لغة متميزة مستقلة غير مفهومة إلا لأهلها. [2] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=10#_ftn2)
الفرق بين اللغة واللهجة والعلاقة بينهما:
يبدأ الخلاف بين هذه اللهجات واللغة الأم من ثلاث نواحي:
الأولى المتعلقة بالصوت: فتختلف الأصوات حروفا وطريقة تبعا للغة السائدة أو الأصلية في البلد، وهنا يحضرنا ما قاله ابن خلدون من تأثر اللسان العربي عندما دخل إلى الأقاليم بلغة أهلها الأصلية، فتأثر اللسان المشرقي بالفارسية والتتارية، والمصري بالنبطية، والمغربي بالبربرية وهكذا.
وهو ما يسميه رمضان عبد التواب في 'التطور اللغوي' بالتغييرات التاريخية للأصوات، حيث يحدث تحول في النظام الصوتي للغة بحيث يصير الصوت اللغوي في جميع سياقاته صوتا آخر، كتطور الباء المهموسة ( p) في اللغة السامية إلى فاء في اللغات السامية الجنوبية وهي العربية والحبشية، بينما بقيت على الأصل في اللغات السامية الشمالية. وكتطور الجيم إلى دال في بعض اللهجات العربية الحديثة أو كاف مجهورة، والقاف إلى كاف مجهورة وغير ذلك.
الثانية المتعلقة بالمفردات: ومن الطبيعي أن يكون أوسع الأبواب انفتاحا لدخول الغريب والجديد في اللغة، إذ يستطيع اللسان الشعبي أن يولد مفردات جديدة تناسب مهنه، وتتلون تلون مجتمعاته المختلفة، فالمجتمع النسائي له مفردات وألفاظ تخالفها مجتمعات الرجال، وللأطفال مفردات تخالفها وهكذا، ويختلف أصحاب المهن في توليد المصطلحات، هذا في مجتمع واحد فكيف بالانتقال إلى مجتمع آخر حسب ما احتك به من الشعوب [3] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=10#_ftn3).
على أن القواعد سواء ما يتعلق منها بالبنية أو التنظيم لم ينلها في المبدأ كثير من التغيير بين اللهجات العامية العربية كالجمع والتأنيث والوصف والنسب والتصغير وما إلى ذلك. حسب نظرة علي عبد الواحد وافي.
الثالثة المتعلقة بالدلالات: تتغير الدلالات تغيرا واضحا زمنيا ومكانيا، فاللفظ الواحد ينشأ في بيئة يعبر عن حقيقة وضعه لها، وتبقى هذه الحقيقة ملازمة له عبر زمان طويل من حياته، ولكن اللفظ ككل كائن حي يتأثر بالظروف والبيئات، فينموا ويتحول إلى صورة من التكيف الدلالي المناسب لكل ظرف فيبتعد عن حقيقته في بعض الأحيان .. ولقد حاولت كتب لحن العامة، والتصحيح اللغوي، وكتب التنبيهات على الأخطاء التعبيرية والدلالية أن تترصد هذه التغيرات في اللسان الشعبي، وتسجل لنا ظواهر كثيرة مما غيرته العامة فأخطأت في دلالته، وغيرته إلى ما يناسب ذوقها أو حياتها الخاصة والعامة، فمن ذلك ما شاع في استعمال المغاربة اليوم عند نزول المطر قولهم: (نزل اليوم شتاء كثير)، وليس هذا التغير الدلالي حديث عهد بالمغرب، بل هو امتداد لما يزيد على ألف عام من لهجات الناس في الأندلس والمغرب، قال الزبيدي: ويقولون نزل اليوم شتاء كثير، يعنون المطر، ويوم شات، قال محمد بن الحسن الزبيدي: "والشتاء فصل من فصول السنة،
¥