وحتى ما ظهر من لغات تخالف اللغة الأم في الإعراب والحركات وبعض المفردات، فإنها لغة حسب الأقدمين لا لهجة. يقول ابن خلدون: "اعلم أن عرف التخاطب في الأمصار وبين الحضر، ليس بلغة مضر القديمة، ولا بلغة أهل الجيل؛ بل هي لغة أخرى قائمة بنفسها بعيدة عن لغة مضر وعن لغة هذا الجيل العربي الذي لعهدنا، وهي عن لغة مضر أبعد، فأما أنها لغة قائمة بنفسها فهو ظاهر يشهد له ما فيها من التغاير الذي يعد عند صناعة أهل النحو لحنا، وهي مع ذلك تختلف باختلاف الأمصار في اصطلاحاتهم فلغة أهل المشرق مباينة بعض الشيء للغة أهل المغرب، وكذا أهل الأندلس عنهما، وكل منهم متوصل بلغته إلى تأدية مقصوده والإبانة عما في نفسه، وهذا معنى اللسان واللغة، وفقدان الإعراب ليس بضائر لهم".
وبتأمل هذا النص يتبين أن التغير التاريخي التطوري الذي طرأ على اللغة الأم وهو ما هو معروف عندنا باللهجة العامية بدوره لغة عند القدماء.
ويمكن حصر اللهجة في الدرس اللغوي الحديث على إطلاقين، إطلاق على ما اختلفت فيه لغات القبائل العربية فيما بينها. على أنها وإن اختلفت فقد كان لها لسان مشترك يجمعها، وهو الذي وصلت به كتب التراث العربي، ونحن -يقول عبده الراجحي- لا نتصور أنهم كانوا يتحدثون في بيعهم وشرائهم وهزلهم باللغة ذاتها التي ينظمون بها شعرهم أو يضعون بها خطبهم.
وإطلاق على ما دخل اللسان العربي من العامية، وهو الذي يقصده د. رشيد العبيدي بقوله في سياق كلامه عن الصراع الذي عاشته اللغة العربية يقول: "أما على المستوى الشعبي في أقطار المتكلمين بها، فقد احتكت بأجناس وجماعات بشرية مختلفة، مارست الحديث اليومي بها، فأخذت وأعطت وتغيرت تغيرات مختلفة بحسب الظروف التي يتميز بها كل قطر، فكانت هناك لهجات شعبية تستخدم أداة للتفاهم اليومي في كل قطر".
على أن اللهجة عند المحدثين أنفسهم قد يقصد بها اللغة فهذا صلاح فضل في كتابه علم الأسلوب، يقسم اللهجة إلى عائلية وضيعة مبتذلة، وأخرى رفيعة، وبينهما متوسطة، ويؤكد أن الإنسان يمكنه استعمال عدة لهجات بطريقة لا شعورية في حياته اليومية. فالمنخفضة لهجة البيت والمقهى والشارع. والمتوسطة لهجة المهنة والمكتب والعلاقات الاجتماعية. والرفيعة لهجة المناسبات الخاصة والخطب والمواقف العامة.
والانخفاض في كلام د. صلاح لا يقصد به خفض الصوت، بل الانخفاض في جودة اللغة وسفولها نحو الابتذال. وبتعبير آخر فكلام البيت والشارع والمقهى لهجة، وكلام المناسبات الخاصة والخطب لغة وبينهما لغة المكتب والمهنة التي تتوسط بين هاتين.
سبب حدوث اللهجات وتفرعها عن اللغة الأم:
متى انتشرت اللغة في مناطق واسعة من الأرض تحت تأثير عامل أو أكثر، وتكلم بها جماعات كثيرة العدد وطوائف مختلفة من الناس، استحال عليها الاحتفاظ بوحدتها الأولى أمدا طويلا. فلا تلبث أن تتشعب إلى لهجات، وتسلك كل لهجة من هذه اللهجات في سبيل تطورها منهجا يختلف عن منهج غيرها. ولا تنفك مسافة الخلف تتسع بينها وبين أخواتها حتى تصبح لغة متميزة مستقلة غير مفهومة إلا لأهلها، لكنها تظل متفقة في وجوه أخرى، إذ يترك الأصل الأول في كل منها آثارا تنطق بما بينها من صلات قرابة ولحمة نسب لغوي.
والعامل الرئيس في تفرع اللغة إلى لهجات ولغات هو سعة انتشارها، غير أن هذا العامل لا يؤدي إلى ذلك بشكل مباشر، بل يتيح الفرصة لظهور عوامل أخرى تؤدي إلى هذه النتيجة، وباستقراء هذه العوامل في الماضي والحاضر يظهر أن أهمها يرجع إلى الطوائف التالية:
1 - عوامل اجتماعية سياسية تتعلق باستقلال المناطق التي انتشرت فيها اللغة بعضها عن بعض، وضعف السلطان المركزي الذي كان يجمعها، ويوثق ما كان بينها من علاقات .. وغني عن البيان أن انفصال الوحدة السياسية يؤدي إلى انفصال الوحدة الفكرية واللغوية.
2 - عوامل اجتماعية أدبية تتمثل فيما بين سكان المناطق المختلفة من فروق النظم الاجتماعية، والعرف والتقاليد والعادات، ومبلغ الثقافة ومناحي التفكير والوجدان، فمن الواضح أن الاختلاف في هذه الأمور يتردد صداه في أداة التعبير.
¥