اللغة واللهجة والعلاقة بينهما

ـ[رشيد الزات]ــــــــ[01 - Nov-2010, مساء 10:02]ـ

تمهيد:

تعتمد الأمم في تثبيت شخصيتها بين الأمم على ركائز مهمة في حياتها على تاريخها وعلى دينها وتقاليدها الخاصة وأعرافها الاجتماعية، وعلى لغاتها. ولعل اللغة أعظم ركيزة يقف على طرفها المجتمع، فبها يعرف نسبه وبها يكشف عن مدى تقدمه وتخلفه.

واللغة كالإنسان تأخذ وتعطي، وتنشأ وتعيش، وتتطور وتتسع، وتلد وتموت، وربما دخلت في صراعات واحتدامات فإن كانت قوية متماسكة، وإلا أثر فيها غيرها، أو حل محلها لتموت في الأخير، كما حصل للأكادية السامية، واللاتينية القديمة، والعبرية القديمة وغيرها. وفي ظل هذه الصراعات تنشأ أشكال أخرى، تعيش في أكناف اللغة الأم، وتتغذى بلبانها، وتأخذ في وصفها العام ملامح الأم لكنها تختلف في التفاصيل، وقد سميت هذه الأشكال حسب الاصطلاح الحديث باللهجة.

فما حدود كلا الجنسين ومتميزاته عن الآخر؟ وهل هناك فرق حقا؟ وكيف نشأ هذا الفرع عن ذاك الأصل؟ وما سبب نشوءه؟

بالرجوع إلى معاجم اللغة: نجد الخليل يعرف اللغة في العين بقوله: "اختلافُ الكلامِ في معنىً واحدٍ". وعند ابن الحاجب في مختصره "حدُّ اللغة كلُّ لفظٍ وُضعَ لمعنى". وتبقى هذه التعريفات قاصرة حسب المنظور الحديث الذي يعتبر تعريف ابن جني 392هـ تعريفا حديثا سابقا لزمانه، فيقول: "حدُّ اللغة أصواتٌ يعبّر بها كلُّ قومٍ عن أغراضهم". ونقل السيوطي 911هـ في المزهر تعريفه. ويزيد ابن خلدون 808هـ تعريف ابن جني تفصيلا أكثر فيقول: "اعلم أن اللغة في المتعارف هي عبارة المتكلم عن مقصوده، وتلك العبارة فعل لساني ناشئ عن القصد بإفادة الكلام، فلابد أن تصير ملكة متقررة في العضو الفاعل لها وهو اللسان وهو في كل أمة بحسب اصطلاحاتهم".

ومثل هذا التعريف لا نكاد نجده إلا عند الغربيين [1] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=10#_ftn1). يقول يسبرسن: إن اللغة ينظر إليها عن طريق الفم والأذن لا عن طريق القلم والعين. وفي دائرة المعارف البريطانية تحت مادة لغة: أنها نظام من الرموز الصوتية. ويشبه هذا التعريف تعريف اللساني فردنالد دي سوسير حيث اعتبرها مجموعة من العلامات اللسانية المنظومة في نسق معين موضوعة للتفاهم والتواصل.

أما اللهجة: ففي العين للخليل: واللّهجة طَرَف اللّسان ويُقالُ: جَرْس الكلام، ويُقال فصيح اللَّهْجَة. واللَّهَجة وهي لغته التي جُبِلَ عليها فاعتادها ونشأ عليها.

قال الزبيدي إثر نقل هذا المعنى: "وبهذا ظهرَ أَنَ إِنكارَ شَيخنا علَى مَن فَسَّرها باللُّغة لا الجَارحة وجَعْله من الغرائب قُصورٌ ظاهرٌ كما لا يَخْفَى". يفهم من معنى اللهجة في المعاجم العربية أنها طريقة أداء اللغة أو النطق، أو جرس الكلام ونغمته. ويعرفها المُحْدَثون بأنها: الصفات أو الخصائص التي تتميز بها بيئة ما في طريقة أداء اللغة أو النطق. كما عند عبد الواحد الوافي وغيره.

فالعربية لغة الشعوب العربية كلهم، لكنهم في تطبيق هذه اللغة يختلف قطر عن قطر في أصوات الحروف وصفاتها من تفخيم وترقيق وإمالة وغير ذلك، فكيفية النطق عند المصريين تختلف عن كيفيته لدى المغاربة أو العراقيين وهكذا.

نستخلص: أن اللغة كانت لغة تواصل ناطقة تختلف من قوم إلى قوم. وأن اللهجة لم تكن معروفة عندهم بالمعنى الحادث، وإنما كانت تختص بجرس اللسان لكل أحد وكيفية استعماله للغة الأم، فيقال فلان فصيح اللهجة. ولم يكن معروفا عندهم درس اللهجات كما يتوفر على درسها المحدثون، ولم يستعملوا مصطلح اللهجة على النحو الذي نعرفه في الدرس اللغوي -يقول عبده الراجحي-، ومع ذلك فإن كتبهم تعرضت لما نسميه لهجات القبائل العربية كعنعنة تميم وكشكشة ربيعة ونحوها، ولم تكن تسميها لهجة؛ بل كانت تسميها لغة. كما نجد ذلك في العين كقول الخليل: الخَبْعُ: الخَبْءُ في لغة تمَيمٍ يجعَلُون بَدَلَ الهمزة عَيْناً. وعند ابن فارس في الصاحبي حيث عقد بابا للغات المذمومة. وعند السيوطي في المزهر.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015