وتعقّبه محمّد تقيّ الدّين الهلاليّ بقولِه: «ابن جرير إمام المُفسِّرِين في زمانه وما بعده وقد أخطأ في هذا الرّأْي إذْ لا يُمكن أن تتكلّم هذه الشُّعوب المتبايِنة في أنسابها ولغاتها المُتباعدة في أوطانها على سبيل المُصادفة والإتّفاق وتوارُد الخواطر بتلك الكلمات الكثيرة العدد.»

المَذْهب الثّاني: الإثبات:

قال الهلالي: « ... ثُمَّ ذكر السّيوطيّ آراء أخرى يظهر زيفها عند الإمتحان فأعرضت عن نقلها» وأغفل قول القائلين بوقوعه وحجّة هؤلاء أنَّ الكلمات اليسيرة بغير العربيّة لا تُخْرجه عن كونه عربيًّا، وأنَّ القصيدة بالفارسيّة لا تخرُج عنها بلفظة عربيّةٍ تكون فيها.

قال السّيوطيّ: «وأقوى ما رأيته للوقوع، وهو اختياري، ما أخرجه ابن جرير بسندٍ صحيح عن أبي ميسرة التّابعي الجليل؛ قال: «في القُرآن من كُلّ لسان.»، وعلّل سبب اختياره بقوله: « ... حكمة وقوع هذه الألفاظ في القُرآن أنَّه حوى علوم الأوّلين والآخِرين، ونبأ كلّ شيْء، فلا بدّ أنْ تقع فيه الإشارة إلى أنواع اللّغات والألسُن؛ ليتمّ إحاطته بكلّ شيْء، فاختير له من كلّ لغة أعذبها وأخفّها وأكثرها استعمالا للعرب.»

إلاّ أنّ ابن جرير شرح الأثر الذي رواه عن أبي ميسرة بقوله: «معنى قول من قال: «في القُرآن من كُلّ لسان.» عندنا والله أعلم أنّ فيه من كلّ لسان اتّفق فيه لفظ العرب ولفظ غيرها من الأمم التي تنطق به، نظير ما وصفناه من القول فيما مضى ... وإذا كان ذلك كذلك؛ فبيِّنٌ إذا خطأ من زعم أنَّ القائل من السّلف: «في القُرآن من كُلّ لسان» إنّما عنى بقيله ذلك: أنّ فيه من البيان ما ليس بعربيّ، ولا جائز نسبته إلى لسان العرب.» [30]

أيْ هذه الكلمات أصولها عربيّة مع وجودها في لغات أخرى. فما تفسير ذلك؟

المَذْهب الثّالث: التّوفيق:

نقل الهلاليّ عن السّيُوطِي مذهبًا ثالثًا فقال: « ... بل كان للعرب العاربة التي نزل القُرآن بلُغتهم بعض مُخالطة لسائر الألسنة في أسفارِهم فعلِقَت من لغاتهم ألفاظٌ غَيَّرَتْ بعضها بالنَّقص مِن حُرُوفِها واستعملتها في أشعارها ومُحاوراتِها حتّى جرت مجرَى العَرَبِيِّ الفصيح ووقع بها البيان وعلى هذا الحدّ نزل بها القُرآن.» ثُمَّ قال: هذا هو الحقُّ الذي لا ريبَ فيه.

وهو مذهب أبو عُبيد القاسم بن سلام إذ يقول: «والصّواب عندي مذهبٌ فيه تصديق القولين جميعًا وذلك أنَّ هذه الأحْرُف أصولها أعجميَّة كما قال الفُقهاء لكنَّها وقعت للعرب فعرّبتها بألسنتها وحوّلتها عن ألفاظ العجم إلى ألفاظها فصارت عربيّة ثُمَّ نزل القُرآن بها وقد اختلطت هذه الحُروف بكلام العرب فمن قال إنَّها عربيّة فهو صادق، ومَنْ قال أعجميّة فصادق. ومال إلى هذا القول الجواليقي وابن الجوزي وآخرون.»

و- الألفاظ المُعرّبة في القُرآن:

قال السّيوطيّ: «وقد نظم القاضي تاج الدّين بن السّبكي منها سبعةً وعشرين لفظًا في أبيات، وذيّل عليها الحافظ أبو الفضل بن حجر بأبيات فيها أربعة وعشرين لفظًا، وذيّلْتُ عليها بالباقي، وهو بضع وستّون فتمّت أكثر من مائة لفظة، فقال ابن السّبكي:

السّلسبيل وطه كوِّرت بِيَعٌ رومٌ وطوبى وسِجِّيل وكافورُ

والزّنجبيل ومشكاةُ سرادقُ مَعْ إستبرقٍ صلوات سندس طور

كذا قراطيسُ ربَّانِيهمُ وغسا قٌ ودينارُ والقِسطاسُ مشهور

كذاك قَسْورَةٌ واليمُّ ناشئة ويُؤت كفلين مذكور ومسطور

له مقاليدُ فردوسٌ يُعَدُّ كذا فيما حكى ابن دريد منه تَنّور

وقال ابن حجر:

وزدت حِرمٌ ومُهل والسِّجلُّ كذا السّريُّ والأبُّ ثُمَّ الجِبْت مذكور

وقِطَّنا وإناه ثُمَّ مُتَّكئًا دارست يصهر منه فهو مصهور

وهيت والسَّكَرُ الأوّاه مع حَصَبٍ وأُوبي معْه والطّاغوت مسطور

صُرْهنَّ إصْري وغِيضَ الماءُ مع وزرٍ ثُمَّ الرّقيم مناصٌ والسّنا النُّورُ

وقلت:

وزدت يس والرّحمن مع ملكو تٍ ثُمَّ سينينَ شطر البيت مشهور

ثُمَّ الصِّراط ودرّيٌّ يحور ومَرْ جانٌ ويمٌّ مع القِنطار مذكور

وراعنا طفقا هدْنا ابلعي وورا ءٌ والأرائِك والأكواب مأثور

هود وقسطٌ وكَفِّرْ رَمزَه سَقَرٌ هوْنٌ يصُدُّون والمِنساةُ مسطور

شهر مجوس وإقفال يهود حوا ريُّون كَنْزٌ وسِجّينٌ وتتبير

بعيرٌ آزرُ حُوبٌ وَرْدَةٌ عَرِمٌ إلٌّ ومن تحتها عَبَّدت والصُّور

ولينةٌ فُومُها رَهوٌ وأَخْلَدَ من جاةٌ وسَيِّدَها القيّوم موقور

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015