قُلوب النّاس تهوي إلى ذُرِّيته، أيْ تُسرع إليهم شوقا ومحبّةً، وتمدّهم بما يحتاجون إليه وأن يرزقهم من الثَّمَرَات التي تُجلب إليهم من الآفاق والأقطار المختلفة ليشكُروا الله على ذلك فيزيدهم، وقد استجاب الله دعوَته فصارت أنواع الحبوب والثَّمَرَات والتّوابل والأدوات والثِّياب والتُّحف والطّرائف تُجْلبُ إلى مكّة من جميع أنحاء المعمورة. وهذه الأمور التي تُجْلبُ إليها كثيرٌ منها وُضِعت أسماؤُها في البلدان التي تصدُرُ منها فإذا جاءت إلى أهلِ مكّة يّسمّونها بالاسم الذي جاءت به فتندمج في لغتهم وتصير جزءًا منها.» [28] إلى أن قال: « ... وقد اخبرنا القرآن أنّ قريشاً كانت لهم رحلتان: رِحلة في الشّتاء إلى جنوب الجزيرة العربيّة، ورحلة في الصّيف إلى الشّام وكانوا تُجّارا ينقلون البضائع من بلد إلى بلد، وكانت مكّة شرّفها الله تعالى مركزا عظيما للتّجارة قبل الإسلام فكانت تنقل إليها البضائع من الشّرق والغرب والجنوب والشّمال، فكيف يُتصوّر أنّ لغة العرب تبقى مُغلقةً مختومًا عليها لا تخرج منها كلمة ولا تدخلها كلمة؟!» فالحاجة والضّرورة هي التي دفعت العرب إلى تعريب الأسماء التي تفرّد بها غيرهم.

دافعا آخر للتّعريب هو: الإعجاب؛ وذلك بأن يُعجب العرب بلفظة أعجميّة، ثمّ يعمدون إلى تعريبها رغم وجود مُقابلها العربيّ، وربّما تناسوا اللّفظة العربيّة أو أهملوها، مثل: الباذنجان كان يُسمّى الحدج، ومع ذلك غلب للإعجاب بما هو غريب، وكذلك الإبريق في لغة العرب يُسمّى التّأمورة.

فلا خلاف بين علماءِ اللُّغة في وجود كلمات أعجميّة عرّبتها العرب و نطقت بها على سنن كلامها، إنّما الخلاف في المُعرّب: هل هو موجودٌ في القرآن أو لا؟

د- منشأ الخلاف في وقوع المُعرّب في القرآن الكريم:

ذكر الهلاليّ أنّ "الأئمّة الذين أنكروا وجود كلمات غير عربيّة في القرآن تمسّكوا بظاهر قوله تعالى في سورة يوسف: «إنّا أنزلناه قرآنا عربيّا لعلّكم تعقلون»، وقوله تعالى في سورة النّحل: «لسان الذين يُلحدون إليه أعجميّ وهذا لسانٌ عربيٌّ مبينٌ»، وما أشبه ذلك. " فمنشأ الخلاف هو تفسير هذه الآيات؛ ف" قرآنا عربيّا " هل معناه أنَّ: كلّ كلماته أصولها عربيّة خالصة، أو المعنى هو: كل ما في القرآن من الكلمات كانت تنطق به العرب وتفهمه وهو جار على سنن كلامها وإن كانت بعض الكلمات أصولها أعجميّة غير عربيّة؟.

ه- الخلاف في وجود المُعرّب في القرآن الكريم:

نقل الهلاليّ عن السّيوطي مذاهب العلماء في وجود المُعرّب في القرآن الكريم ونقله عنه الهلالي في مقاله: "ما وقع في القرآن بغير لغة العرب" وهذا تلخيصها من المقال المذكور. [29]

المَذْهب الأوّل: الإنكار:

" فالأكثرون؛ ومنهم الإمام الشّافعيّ وابن جرير وأبو عبيدة والقاضي أبو بكر وابن فارس على عدم وقوعه فيه لقوله تعالى: «قرآناً عربيًّا»، وقوله تعالى: ?وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ?، وقد شدّد الشّافعيُّ النَّكيرَ على القائل بذلك.

وقال أبو عبيدة: «إنَّما أُنزِل القرآن بلسان عربِيّ مبين فمن زعم أنَّ فيه غير العربيّة فقد أعظم القول ومن زعم أنّ ? لُدًّا? بالنبطيّة فقد أكبر القول»

وزاد ابن فارس سببًا ثانيًا لإنكار المُعرّب في القُرآن فقال: «لو كان فيه من غير لغة العرب شيءٌ لتوهم مُتَوَهمٌ أنَّ العرب إنّما عجزت عن الإتيان بمثله لأنّه أتى بلغات لا يعرِفونها»

قال محمّد تقيّ الدّين متعقّبًا: «إنّما يمكن أن يُقال ذلك إذا كان في القرآن تراكيب أعجميّة، أو كلمات باقية على عُجمتها، أمّا وجود كلمات قد صقلتها العرب بألسنتها ونحت بها مناحي كلماتها ودخلت في أوزانها فلا يمَكِّن أحدًا أن يدّعي ذلك فيها ... ، ولمْ يَقُل أحدٌ من العرب المُعادين للإسلام إنَّ الذي منعهم من معارضة القُرآن هو وُجود كلمات فيه غير عربيّة بل سلّموا أنّه كلّه عربيٌّ.»

ثمّ نقل السّيوطِيّ ردّ ابن جرير على حُجّة المُثبتين فقال: «قال ابن جرير: ما ورد عن ابن عبّاس وغيره من تفسير ألفاظ القرآن أنّها بالفارسيّة أو الحبشيّة أو النّبطيّة أو نحو ذلك إنّما اتّفق فيها توارد اللّغات فتكلّمت بها العرب والفُرس والحبشة بلفظ واحد.»

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015