والشذا, وينعش مسها النفس والجسد, نفحة من شاعر ملء إهابه الشعر.

كان يوماً عجيبا ًوحديثاً عجبا فلما قرأت الجزء الأول من كتابه (في موكب الشمس) لم أخطئ هذه النفحة المنعشة المتحركة، ولكني وجدتها مقروءة, دون حقيقتها مسموعة حية على لسانه, وبصوته, وبألفاظه وبلهجته التي تدل على موطنه من صعيد مصر, والتي التزم بها, وأصر عليها, ولم يفارقها, ولم يتنكر لها طوال حياته رحمة الله عليه.

وبقيت عندي خصلة أخرى, مما خبرته بنفسي من خصال هذا العالم الجليل, وهي من أجل الخصال التي يندر وجودها في كثير من العلماء, ولا سيما في زماننا هذا. بيد أني إذا حاولت أن أقص قصة وقوفي عليها فيه على وجهها, اقتضاني ذلك أن أسرد عليكم حديثا طويلا جداً قد استغرق بيني وبينه عدة أيام وليال, ولكن ليس هذا هو مانعي الأول من سردها على الحقيقة, بل مانعي الأول هو أني كنت الطرف المتكلم في هذه القصة, وكان الدكتور بدوي هو الطرف المستمع, وحديثي اليوم بينكم إنما هو عن السلف العظيم الذي جعلتموني خلفا له, لا عن نفسي. وكذلك رميتم بي في حرج آخر فلو أنا أغفلت هذه الخصلة العظيمة التي وقفت عليها لظلمت صديقي ظلماً بواحاً لا يستره شيء, ولا يخرجني من هذا الحرج إلا أن أومئ إليها إيماء دون تصريح أو بيان, فقد هجم بنا الحديث مرة على شيء هو من صميم علمه, وهو تاريخ حضارة الفراعين وموقعها من مسيرة الجنس البشري.

طال الحديث بنا وتشعب أيامنا, وكانت حجتي التي بنيت عليها, قائمة على أصول واضحة بينة, مأخوذة من الوثيقة الكبرى التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها, والتي لم تبق على ظهر هذه الأرض وثيقة أخرى يمكن أن يعتمد عليها في تحديد الصورة الصحيحة لنشأة الجنس البشري على الأرض أو في تحديد الخطوط الصحيحة لمسيرة الحياة البشرية بأممها وعقائدها وعلومها بين علو وانخفاض وسمو وانهيار, وضعف وقوة. وهذه الوثيقة عي القرآن العظيم, وبيانه الصحيح الثابت من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم, وقد استتبع الهجوم على هذا الموضوع كثيرا من المراجعة والاستدلال والقراءة الطويلة أحيانا, وكنت أنا في الحقيقة أريد أن أحوز هذا العالم الجليل إلى جانبي, فبذلت لذلك جهدا عنيفا متتابعا في مجالس متدانية, أما صديقي الدكتور بدوي فكان أكثر وقته يستمع ويصغي, وألمح في وجههه وفي عينيه الجد, والتردد أو الشك أحيانا, ولكن لم يقاطعني قط. وما هو إلا أذن صاغية لا غير.

وعجت عجبا شديدا لأني كنت أتوقع أن يتكره وجهه لهذا الحديث, أو أن يعترض, أو أن يثور, ولو مرة واحدة, لأني في الحقيقة كنت كأني أهاجمه في صميم علمه أو كأني أحاول أن أقلب بعضه رأسا على عقب, ولكن لم يزد في آخر الأمر على أن سكت طويلا, وأقبل على أكواب الشاي يشربها على مهل, وبدا كأنه نسي الأمر كله, كأنه لا يعنيه في شيء, وبعد لأي ما فأجاني وهو يقول: أتمنى أن يكون بعض ما قلته صحيحا نظرا, بل هو ممكن عقلا على الأقل. ثم سكت طويلا ثم عاد يقول: ولكن ماذا نفعل؟ إنما نسير في بيداء ليلها كنهارها.

أما أنا فقد أُخذت بحسن استماعه للحديث وبهدوء نفسه وصفائها, فهذه خصلة من خصال قليل من العلماء المتثبتين, يندر فيهم من يصبر عليها, ويأخذ نفسه بها أو يملك على الأقل أن يتكلفها ساعة, فضلا عن ساعات طوال وأيام.

وما ذكرت هذا العالم الجليل, إلا ذكرت معه عبد الملك بن مروان، وكان عبد الملك, قبل أن يتولى ما تولى من سلطان الخلافة, معدودا في علماء أهل المدينة, وزارها عمرو بن العاص رضي الله عنه, وخالطه مدة إقامته بها فلما رحل إلى الشام ذكره عند معاوية رضي الله عنه, ووصفه له, فكان مما قاله: هو آخذ تارك لثلاث، آخذ بقلوب الرجال إذا حَدث, وبحسن الاستماع إذا حُدِّث، وبأيسر الأمرين عليه إذا خولف, تارك للمراء, تارك لمقارنة اللئيم, تارك لما يعتذر منه.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015