رحم الله أخي وصديقي, كان عالما إذا التمست علمه, وصديقا منجدا إذا التمست صداقته, وأنيسا جذابا إذا التمست حسن العشرة، وكان لسانا حلوا صادقا وإنسانا كريم الجوهر, كأنه لؤلؤة صافية لا يشوبها كدر, وأنى لمثلي أن يكون خلفا لمثله؟ وأنا أخشى أن أكون قد قصرت أشد التقصير من حيث كنت أتوخى الوفاء, وأن أكون قد بخسته حقه وظلمته من حيث كنت أتحرى الإنصاف والعدل، وقد اضطررت إلى الحديث عن هذا السلف الجليل اضطرارا إلى فرط نفسي على هذا الحديث قهراً، والتزمت أن لا أقول إلا ما خبرته فيه بنفسي وفي زمن قليل جدا لا يتيح لي أن أوفيه حقه, وأنا على يقين من أن هذا القدر, الذي خبرته بنفسي من خصاله، قليل في جانب ما خبرتموه أنتم, بطول عشرتكم له من فضائله المذكورة الباقية غفر الله لي ولكم.

بقي الحرج الأكبر الذي وقعت فيه, فقد تفضلتم علي بضمي إلى مجمعكم الموقر, وخلتموني صالحا للجلوس بينكم فلا أدري كيف أسدي الشكر لكم على حسن ظنكم بي. ولا أدري ما أقول لأخي وابن خالي الأستاذ الكبير عبد السلام محمد هارون, الذي وقع هو أيضا في الحرج, حين كلف بتقديمي إليكم, وإنما أوقعه في الحرج هذا النسب الداخل بيني وبينه, بأي لسان أشكر, وأنا لا أملك إلا هذا اللسان العاجز الذي ألف الصمت دهرا طويلا. فاقبلو بفضلكم عذري وتغمدوا بكرمكم إساءة عجزي, وقد أحسنتم إلي بظهر الغيب, فأتموا إحسانكم علي في مشهدي وحضوري, وأقول لكم ما قال أبو عبادة للفتح بن خاقان:

ومثلك إن أبدي الفعال أعاده * وإن صنع المعروف زاد وتَمَّما

وأنتم أيها الرجال الأجلاء, أهل ذلك وأكبر منه. أما الآن وقد فرغت مما كنت قد أعددته، وقد سمعت ما قاله في أخي وابن خالي الأستاذ عبد السلام محمد هارون, فقد كنت وأنا أسمعه, أزوّر في نفسي كلاما له ولكم, ولكن قد طار مني الآن, فلم يبق منه شيء يمكن أن أقوله, ولكني كأني أسمع شيخ المعرة يهمس في أذني أن أنشدكم قوله في نفسه, وقد لقي من بعض الناس مثل الذي لقيته فقال:

من لي أن لا أقيم في بلد * أذكر فيه بغير ما يجبُ

يظن بي اليسر والديانة والعلـ * ـم وبيني وبينها حجب

أقررت بالجهل, وادعي فهَمي * قوم , فأمري وأمرهم عجب

أمري وأمركم عجب,

أيها الرجال الأجلاء, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ــــــــــ

المصدر: مجلة مجمع اللغة العربية ج52 - صفر/1404 = 11/ 1983

http://www.arrakem.com/ar/Index.asp?Page=238

وعذراً إن كانت الكلمة مرفوعة من قبل

فإنني أقرأها اليوم لأول مرة!

ـ[الواحدي]ــــــــ[21 - Oct-2010, مساء 08:08]ـ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

جوزيت خير الجزاء!

نقْلٌ موفّق ومفيد، يكشف عن زاوية من زوايا إنسانية أبي فهر، رحمه الله، ويعرّف بأخلاق العلماء في معاملتهم لغيرهم، وحزمهم في تعاملهم مع مسائل العلم.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015