وإذا كان هذا شأنه وخلقه في أمر هين, وهو تفسير مقدمة كتاب, وإذا كانت هذه خصاله في معالجة لغة كالألمانية، حية على ألسنة أهلها, متداولة معروفة منطوقة, ذات معاجم تفسر ألفاظها, فما ظنك به وهو يعالج لغة قد بادت وباد أهلها. وتآكلت الألسنة الناطقة بها تحت أطباق الثرى, وليس لها معجم يفسرها ويضبطها، وما هو إلا الكدح في توهم معاني ألفاظها وتراكيب جملها, ودلالة سياقها, مع فاصل كثيف يفصل بينه وبينها عرضه آلاف السنين؟! لقد تمنيت يومئذ أن أصاحب هذا الرجل, وأشاركه معاناته في استنباط لغة البرابي القديمة التي تنسحب على مدى طويل من ألوف السنين, مع التغير الفادح الذي لحقها ولابد, على امتداد هذه الآباد المتطاولة. معاناة لو تتبعتها معه وشهدت ما يمارسه فيها, كانت خليقة أن تكشف لي جوانب أخرى من خصال العلماء وأخلاقهم التي اجتمعت فيه, تستوجب له أضعافا مضاعفة من الروعة, ومن الإعجاب بصاحبها. والقليل الذي شهدته بنفسي معه, دليل لا يخطئ يصدق هذا الذي كنت أتوقعه, لو كتب لي أن أحقق أمنيتي. وقد رأيت الدكتور بدوي نفسه, قد كشف لنا عن جانب من معاناته, حين قاله لكم في يوم استقباله في المجمع:

"وأصارحكم, أيها السادة، مرة أخرى بأنا معشر المشتغلين بلسان فرعون, لم نستطع أن نقومه في كثير, وإنما انحرفنا به انحرافا ومسخناه مسخا, سألت شيخنا العلامة أدلف إرمن, وكان إمام المدرسة الفرعونية غير منازع, ترى ما مدى استقامة ألسنتنا حين ننطق باللغة المصرية؟ فأجاب: والله يا بني لو بُعث آل فرعون وسمعونا نلوي ألسنتنا على نحو ما نفعل, لانهالوا علينا ضربا بالسياط ولأخذونا بالنواصي والأقدام".

فهذا سؤال واحد يزعجه, من أسئلة كثيرة جدا, كانت ولا بد تنغص عليه معرفته بلسان البرابي القديمة, وبتاريخ أهلها المتطاول, وبشئون حياتهم التي عاشوها, وعقائدهم التي كانوا يتداولونها، وعلومهم التي بنوا عليها حضارتهم المعروفة في القديم, هكذا أظن, وهذا السؤال وأشباهه من الأسئلة, تدل على أنه كان عالما متثبتا متخوفا من الزلل, أمينا على ما يعلم وحريصا على طلب اليقين. وأنا أظن, بل هو فوق الظن, أن قلقه, وتثبته وتخوفه من الزلل وأمانته على ما يعلم, وحرصه على طلب اليقين, كانت خصالا من خصال العلماء مغروزة فيه سجية لا اكتسابا وأنه كان لهذه الخصال من الغلبة عليه والسيطرة على نفسه، يقبض قلمه قبضا شديدا, ويكفه كفا عن الكتابة والتأليف, حتى صار قليل التأليف جدا في هذا العلم الذي تميز به وعرف بانتسابه إليه, وعد عالما من أعلامه, وسار حقيقة في الناس بأنه من كبار أهله.

وخصلة أخرى من خصال هذا العالم الجليل, قد لا يعدها بعضنا من خصال العلماء ولكنها من أعظم خصال الأفذاذ منهم بلا ريب وإنما ينكرها من أنكرها, لندرتها, قبل كل شيء في جمهور العلماء, ثم لأنها خصلة خفية تبقى مستورة دائما, مكفوفة عن الظهور المستعلن, تحجبها وفرة العلم ووقاره وخفاؤه أحيانا عن الظهور، وسأحاول أن أوجز طريق معرفتي بهذه الخصلة إيجازا غير مخل.

ففي أولويات مجالسنا, في فجر معرفتي به رحمة الله عليه, مللنا مرة وطوينا كتاب طبقات الشعراء, وأخذنا نستروح بتجاذب الأحاديث, وفي خلال ذلك أنبأته أن أبي وأسلافي من مدينة جرجا بصعيد مصر فأطرق إطراقة, ثم عاد ينظر إلي كالمتثبت المتوسم, نظرة خلتها وميض جمرة من خلال الرماد وكأنما رآني الساعة لأول مرة، ثم فاجأني بحديث طويل في تاريخ جرجا وغيرها من الأقاليم في الأزمنة الموغلة في القدم. بدا حديثا جافا عن أقاليم الصعيد وحدودها القديمة يتخلله أسماء ملوك وكهان وأصنام معبودة من دون الله، وشيئا فشيئا, أصبح حديثه يترقرق حياة غنية متحركة رائعة حياة حية بعقائدها وعمائرها وأهلها وحوادث أيامها. وبدا لي أحمد بدوي كأنه يصور بلسانه حياة عاشها، أو حياة لا يزال يعيش فيها, وأما أنا, فكأني كنت أشهد بعيني هذه الحياة وهي تموج بأهلها, وأيامها ولياليها, على بساط من الأرض أتمثله أنا شاهدا مبصرا, متأثرا بما أسمع وأرى وأشهد, راعني الرجل, لم ترعني وفرة علمه ولا ما كان يعرضه علي من صور الآثار الباقيات، ولا ما كان يصاحب ذلك من تفسير وبيان, بل الذي راعني, وأخذ بنفسي, وسد عليها المنافذ, هذه النفحة التي كانت تهب علي من حديثه كأنها أنفاس نسيم الصبا في ساعة السحر تحمل العطر

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015