ولكن لا بد مما ليس له بد. وسأحاول أن أكذب سمعي وبصري وعلمي, وأتمثل الدكتور بدوي جالسا حيا بيننا يسمع ما أقوله, ثم يتغاضى بفضله عن تقصيري في حقه متسامحا فيما أنزلته به من الظلم.

فيما قبل سنة 1950, كنت أسمع اسم الدكتور بدوي, ولا أذكر أني كنت قرأت له إلا ما كتبه عن الهكسوس, ولكن كان يحدثني عنه بعض من يعرفونه حديثا يغريني بمعرفته، ولكن حجبت عني كل وسيلة إلى هذه المعرفة. لم أنشط أنا إليها, ولكن الأقدار قد نشطت من حيث لا أعلم إلى تدبير اللقاء والمعرفة, ففي سنة 1951م, كنت مشغولا بشرح كتاب (طبقات فحول الشعراء) لابن سلام الجمحي, عن نسخة عتيقة جدا كانت قد وقعت في حوزتي, وكانت فيها زيادات كثيرة جدا على نسخة طبقات الشعراء لابن سلام المطبوعة بمطبعة بريل, في مدينة ليدن سنة 1916م, والتي نشرها يوسف هل وكتب لها مقدمة بالألمانية. فلما فرغت من الشرح, وأزمعت أن أكتب مقدمة لنسختي التي سوف أنشرها, احتجت إلى أن أعرف ما قاله يوسف هل في مقدمة نشرته. فلجأت إلى صديقي الدكتور عبد الرحمن بدوي أستاذ الفلسفة, فقرأت معه على عجل هذه المقدمة, وأملى علي بترجمته بعض ما أحتاج إليه منها. وبعد زمن استبهمت على أشياء وقلقت نفسي, فدلني أحد أصحابنا على الدكتور أحمد بدوي, أستاذ التاريخ والآثار المصرية وحثني على الاتصال به بالهاتف, فلم أفلت هذه الفرصة, واغتنمتها من فوري، فإذا هو إسراع وإقبال وحفاوة, وغلبتني الدهشة, والتقينا وعند أول لقائنا, أذهلني الرجل وأخجلني وأخبرني أنه يعرفني تمام المعرفة منذ سنة 1926م, وأنا أسمعه واجما لا أذكر من ذلك شيئا ولا أعرفه. ثم أسرع فأزال حيرتي فأخبرني أننا دخلنا الجامعة معا, في تلك السنة كان هو طالبا في قسم الآثار, وكنت أنا طالبا في قسم اللغة العربية, وتقلبت بي الأمور في الجامعة ما بين سنة 1926م إلى سنة 1928م, إلى أن فارقتها يومئذ إلى غير رجعة. ورأيته عالما بي وبهذا التقلب الذي عانيته. اجتمعنا سنتين في أرض واحدة, ولكننا لم نتعارف. فالآن تعارفنا, وطال حديث الذكريات.

بدأنا نقرأ مقدمة يوسف هل, وهي لا تتجاوز ثلاث عشرة صفحة. كانت باللغة الألمانية, وكان يجيدها تمام الإجادة. فكان من الممكن أن يقرأها ويوقفني على فحواها في مجلس أو مجلسين على الأكثر, ولكن الذي حدث كان غير ذلك, فقد طالت مجالسنا، وتعددت, كان يقرأ ما بين يديه جملة جملة, ويتأنى بي وهو يعيد علي فحوى كل جملة منها متخيرا لألفاظ عبارته مرة بعد مرة, مستدركا على نفسه في المرة الثانية ما فلت منه في المرة الأولى, كان كأنه مكلفا أن يترجم هذه المقدمة مكتوبة لتنشر. استمتعت أن بهذه الأمانة وهذا الحرص استمتاعا لا يوصف, ومع ذلك, فكم من مرة كانت نفسي تحدثني أن أطلب إليه أن يكف عن هذا التخير وهذا الاستدراك, شفقة عليه أن يضيع وقته معي في أمر هو أهون علي وأزهد أن يضاع فيه كل هذا الوقت. لم أفعل ما حدثتني به نفسي مرة واحدة, لأن أناته في القراءة والتفسير كانت تروعني. أناة لا يستثيرها عجل, بل يشوبها أحيانا شيء من التردد والتلوم, كأنه كان يبحث في خلال الألفاظ الألمانية عن معنى يوشك أن يتملص منه, وكأنه في الوقت نفسه كان يبحث في دخيلة نفسه عن ألفاظ عربية تمسك المعاني وتحيطها حتى لا يند منها شيء. وكان يروعني أيضا هذا القدر العظيم من الصبر, صبره على ما كان يقرؤه, وصبره عليَّ وأنا أستوضح بعض معاني ما قرأ. وإذا استبهم عليّ شيء مما يفسره فقاطعته, توقف توقفا بصيرا, يطول أو يقصر في المراجعة, ثم يقبل علي موضحا مبينا أدق تفاصيل اللغة الألمانية بلا ملل وبلا عجلة. فمن يومئذ عرفت أني أجاذب الحديث رجلا من العلماء المتثبتين, لأنه بأناته وتوقفه وصبره وحسن تأتيه للمعاني, مع هدوء النظر فيما بين يديه, ومع حسن التأمل لما أفاجئه به من المراجعة, قد كشف لي عن قدر عظيم من الأمانة والحرص, وأيقنت أن هذا الرجل ينطوي على لب اللباب من أخلاق العلماء, التي يجد الإنسان بعضها عند بعضهم, ويفتقد بعضها أحيانا فيهم. رأيتها كلها متجمعة فيه مع صفاء في النفس عجيب, ورقة في الطباع تأسر, وحلاوة في المعاشرة, إذا ذقتها فما أنت بقادر على أن تنساها أو تنسى صاحبها.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015