أعلمنا السيّد الطاهري بكلّ بساطة أن سرعة الضوء سرعة قصوى و أن الفيزياء الحديثة تقول أن بدايات الكون بدأت ب"الإنفجار الكبير". مرّت دقائق و القسم في حاله العادية و أنا مشدوه جمدت فصائلي. عقلي لا يتبع عينيّ. عقلي ذهب بعيدا. و لا أدري إلى ما تنظر عينايا, الصابورة, أم الأستاذ, النافذة .. لم يبقي في عقلي نسبة واحد في المائة من التركيز ليهتمّ ببقيّة أعضائي. ترك الكلّ و آهتمّ بنفسه. سبح بعيدا و نسي أنّ ورائه بدنا, هوّ مكلّف بتسييره.

كانت صدمة.

الغريب أني كنت على علم بهذه المعلومات من قبل و لكنّها أوّل مرة تقدّم إلي بلهجتنا التونسية الدارجة القريبة فعلا من اللغة العربية. ماذا وقع إذا؟

الذي وقع هوّ أنّه لدى سماعي للمعلومة, بلغتي, رُبطت حالا بإرثي العربي الإسلامي. و .. لم يلتقي الإرث بالمعلومة. لم أجد مطلقا في الإسلام غير الله, جلّ و على. الله قال للكون: كن فكان. ما هذا الذي أسمعه الآن؟

كان أستاذي يكتب أرقام تمارين الدرس على الصبورة عندما رفعت يدي.

"سيّدي"

إستدار "نعم"

"لا أوافق"

"ماذا؟ "

"نظرية الإنفجار الكبير غير مقبولة بالنسبة لي"

لحظات صمت كي يعود أستاذي من عالم التمارين و المنهج إلى هذا القابع خلف الصفوف يتكلّم في نظرية القرن العشرين

"و لما ذلك؟ "

عدم مواجهتي بإعصار من نوع "و من أنت حتّى توقف الدرس و تتكلم في أمر عظيم كهذا؟ " أو حمام بارد من نوع "أصمت وآكتب تمارين الغد" شجعني على التمادى.

هممت بالكلام بتؤدة حتى أجمع أفكاري

"حسنا ... "

رنّ الجرس, وداعا أفكاري.

و بإهتمام طلب منّي: "طيب, أكتب أسبابك وآعرضها للنقاش على القسم في الحصّة القادمة".

الحمد لله, سيترك لي هذا بعض الوقت للبحث. سخّرت نهاية الأسبوع للقراءة عن "الإنفجار الكبير" ووقعت على مفاجأة زادت ثقتي في نفسي.

"الإنفجار الكبير" ليس "نظرية" Théorie إنّه "نموذج" Modèle فأساس كل نظرية في بديهياتها و أنّ لواضع النظرية الحرية في إختيار البديهيات. هذا ما له. أمّا ما عليه, فلكي تسمى النظرية كذلك يجب أن لا يتناقض التسلسل المنطقي داخلها مع البديهيات التي أختيرت مبتدأ. وما خطر على بالي في القسم حول الإنفجار الكبير مخالف لمبدأ مهمّ تعتمد عليه وهو إطلاقية سرعة الضوء.

كتبت ورقتي و عرضتها على القسم و كانت في هذا السياق:

معلوم أن "هابل" واضع هذا النموذج إستند على رؤيته بملاحظته لإبتعاد الأفلاك عن بعضها البعض عبر الزمن فقال بما أنها (أي الأفلاك) كانت أمسا أقرب منها إلى بعضها من اليوم و قبل أمس أقرب من أمس, فبتتبعها هكذا تكون في بداياتها ملتحمة و يجب حينها أن تكون نقطة في فضاء ما, متناهية الطاقة وقع على إثرها تحول ما (المسألة مبهمة هنا) , ممّا أدى إلى "إنفجارها" (تعبير إنفجار عندهم ليس ضرورة بالمعنى الذي نعرفه) و تكوّن الكون كما نعرفه الآن عبر تسلسل زمني إثر هذا الإنفجار. و طبعا هذا لا يمكن أن يكون مؤكدا ولإيضاح ذلك سأسرد فقط خواطري و أترك لكم بحث مبررات غيري من التاركين لهذا النموذج, و التي تبين عدم صلوحية النموذج كرأي علمي مستقيم المنطق.

خاطر رياضي: أولا ليس بالضرورة أن تكون الأفلاك مقتربة أكثر قبل أمس عن أمس أو اليوم, إذا إقتربت أمسٍ أكثر منها من اليوم. فلو أخذنا حركة بالونة تنفخ ثم تعاد, ثم تنفخ ثم تعاد (لنتخيل أن البالونة تتنفس و لها شهيق و زفير) , و مرسوم عليها نقاط (تمثل الأفلاك). ففي زمن الشهيق تبتعد النقاط. و في زمن الزفير تقترب النقاط. و هذين الزمنين بمقاييس الكون كبيرين يقدران بملايين بل بمليارات السنين مما يعيق فكرنا و تقانتنا عن بحث مابعد الزمن الذي نحن فيه. فإن كنا في زمن الشهيق صعب علينا تصور وجود زمن الزفير لكبر مدة الزمن الأول. في حين أن الأفلاك في الزمن الثاني. أي زمن الزفير, والتي نراها في أبعاد اليوم قد تكون أبعد عن بعضها قبل أمس من أمس و اليوم.

و يمكن الأخذ بمثال ثان أبسط. فالنتصور حركة جسمين على سطح بيضة يتحركان في إتجاهين متعاكسين و لنضع مراقبا على نفس السطح في قمة البيضة. هذا المراقب يرى الجسمان يقتربان فإن وصلا إليه و تجاوزاه سيراهما يبتعدان.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015