تدريس العلوم باللّغة العربية ضرورة وجودية

ـ[عبيد الله التونسي]ــــــــ[13 - Sep-2010, مساء 05:36]ـ

بسم الله الرحمان الرحيم

قبل المقال تفضلوا بالجلوس معي في الحديقة حول طاولة شاي, قهوة أو عصير. نتحادث قليلا و نروي لبعضنا قصصا من أيّام الطفولة و الدراسة و "الشقاوة".

كنت ضمن مجموعة من الأصدقاء في الثانوية نكوّن "عصابة تشويش" في المدرسة و خارجها, و كانت لنا إبتكارات في هذا المجال. فمثلا عندما تشير إلينا أستاذة اللّغة العربية بوجوب بناء النصّ, نأتيها من الغدّ بأكياس صغيرة فيها إسمنت و آجر, وهذا مثال "لطيف" لحركاتنا أيامها, و أرجو من الله أن يغفر لي الأمثلة "الغير لطيفة".

كانت كلّ العلوم تدرس بالفرنسية من الكيمياء و الفيزياء و الرياضيات و إحياء و تقنية ... و كان من مقادير الله أن أصيب مدرسنا في الفيزياء بمرض و قد عافاه الله منه لاحقا, حفظه الله, و عيّن عوضه أستاذ سأسمح لنفسي بذكره لما أكنّه له من إحترام رغم غياب أخباره عنّا. نرجو من الله أن يحفظه و يجعل ما فعله من أجلنا في ميزان حسناته.

هوّ السيد "الطاهري" درّسنا في المعهد الثانوي في مدينة باجة بالشمال الغربي التونسي حيث إنتقل والدي للعمل هناك. كانت لهذا الأستاذ طريقة عجيبة في إحترامنا, أذكرها لجمالها, لم يكن درسه مميّزا عن دروس بقية الأساتذة حيث كان متكاملا قيّما مثل بقية الدروس و لكنّه في نهاية كلّ درس يأتينا بأمر فيزيائي مرتبط بالدرس لم تستطع الفيزياء حلّه أو ثبتت إستحالة حلّه.

و الإحترام هنا أنّه إستفزّ طبع المراهقة الحادّ عندنا وآستغلّه في الفيزياء وآحترم عقولنا بوضعنا أمام تحديّات فيزيائية دون النضر إلى أعمارنا (في حدود 15 أو 16 سنة) و دون أفكار مسبّقة عن جديّة أخذنا للأمر, كأن يقول بعضهم "ماذا تفعل أتتصوّر من هؤلاء الأشقياء التفكير في مثل هذه الأمور". نعم إستفزّتنا تحدّيات السيد الطاهري و تسابقنا في مجموعات لكسرها. فمثلا عندما إنتهينا من درس الطاقة صمت قليلا ثمّ تحولت نظرات الطيبة و التقوى في وجهه, نحسبه كذلك و لا نزكي على الله أحدا من عباده, إلى شرارات تحدّي مع إبتسامة مخفية.

" يستحيل إختراع محرّك يشتغل بصفة لانهائية بكميّة أولية من الوقود دون زيادة".

يرمي جملته دون أن يقول أتحداكم, تأتي في قالب الدرس دون أن يجبرك على البحث فيها. هكذا.

يتركك و يذهب.

طيّب يا أستاذ. نحن لها. تلتقي المجموعة في منزلي الليلة, نرسل إلى شباب الحيّ المجاور أننّا لن نلعب الكرة غدا. (في أحيان أخرى نلغي المعركة).

نبدأ في رسم المخططات لمحرك يعمل بشكل لانهائي بدفعة وحيدة من الوقود. نتدارس. وقع الإتفاق على إقتراحي. رسمناه. و قدمناه في الأسبوع التالي للسيّد الطاهري. أمعن النظر, دققّ, فكر مرّة أخرى, نظر إلينا, أرجع بصره للورقة و غابت هذه المرّة شرارة التحدي من عينيه "لا أعرف أين يوجد الخطأ في هذا المخطط, رغم يقيني بوجوده".

كانت لحظة قوية لي. في نهاية الأمر بإمكاني الإنتاج في الفيزياء, بإمكاني البحث, ليس الأمر فوق طاقة البشر, ليس الأمر حكرا على أجنبي أو أعربي, ليس الأمر مهولا.

و كانت اللحظة أيظا درسا عظيما في التواضع من السيّد الطاهري لمّا لم يرّد علينا بعنف عندما لم يجد الخطأ و لم يعتبر الأمر طعنة لغرور, بل تعجب بفرح من بحثنا و أقّر بأخلاق العلماء أنّه لا يعلم مكمن الخطأ. للمعلومة, لقد وجدت مكمن الخطأ عندما درست في الجامعة Thermodynamiques أضنّها باللغة العربية "الديناميكا الحرارية".

كان الأستاذ الطاهري يخاطبنا خارج المنهج الرسمي بالعربية (المنهج بالفرنسية) و كان من كرمه أنّه يجيب عن أسئلة التلاميذ الذين يلتقيهم في المسجد (قبل القرار بغلق المساجد خارج أوقات الصلاة).

في درس الضوء و قبل نهاية الدرس حدثنا عن أمرين باللغة العربية (الأمران زيادة منه خارجة عن الدرس و المنهج). كانت صدمة لي, يبدو الأمر تافها و لكنّه هزّني إلى الحدّ الذي غير مسار تفكيري إلى الآن.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015