وقد فصل الزمخشري في هذي المسالة فيما أورده، بان الاستمرار متأت من كان ودلالة لها في نفسها على انقطاع المعنى. وأنا اذهب ما ذهب إلية الزمخشري لان كان تفيد زمن الحدوث والاستمرار في نفسها دون انقطاع ذلك الزمن ¸وأما ما أورده السيوطي من أن الاستمرار مستفاد من وجوب كون الله سميعا بصيرا لا من لفظ "كان"فهو قول ضعيف , ويدل على ذلك الأخبار عن طبائع البشر نحو قوله تعالى: (وكان الإنسان عجولا).

وذهب إلى مذهب الزمخشري –الذي أميل إليه- الدكتور فاضل السامرائي. يقول:"فحيث وجد الأخبار عن ذات الله فالمراد الإخبار عن وجودها وإنها لم تفارق ذاته؛ ولهذا يعلل بعضهم "بما زال" فرارا مما سبق إلى الوهم أن الزمن في"كان" يفيد انقطاع المخبر به عن الوجود؛لقولهم: دخل في خبر كان. وحيث وقع الإخبار بها عن ذات الآدميين فالمراد بها التنبيه على أنها في غريزة وطبيعة مذكورة في نفسه نحو قوله تعالى:" وكان الإنسان عجولا.وقوله تعالى:" وكان الإنسان قتورا". (1)

وقد تفيد"كان" الزمن المستقبل، وذلك بقرينة عقلية, وهذا من باب حمل هذه الأفعال على مثيلاتها من الأفعال الماضية الأخرى بعد أن أثبتنا دلالتها على الحدث والزمان. ومن ذلك قوله تعالى:"ويخافون يوما كان شره مستطيرا" (الانسان7) وقوله تعالى:" إن الأبرار يشربون من كاس مزاجها كافورا" (الانسان5).

يقول الدكتور فاضل السامرائي:" والذي أراه هنا في مثل هذا انه من باب تنزيل المستقبل منزلة الماضي لبيان انه محقق الوقوع وانه بمنزلة ما مضى وانه فرع منه. ون ذلك قوله تعالى:" ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الارض " (الزمر68). وقوله تعالى:"وسيق الذين اتقوا ربهم إلى جهنم زمرا" (الزمر73). (2)

وبعض النحاة حمل"كان" على صار: نحو قوله تعلى (وفتحت السماء فكانت أبوابا وسيرت الجبال فكانت سربا) (النباء19 - 20) وقوله تعالى: (وكان من الكافرين) (البقرة34).

1) معاني النحو (1\ 197)

2) المصدر السابق (1\ 203)

يقول ابن يعيش-رحمه الله-:"والعرب تستعير هذه الأفعال وتوقع بعضها مكان بعض لما بينها من التقارب في المعنى؛ لان كان لما انقطع وانتقل من حال إلى حال. ألا تراك تقول: "قد كنت غائبا وأنا الآن حاضرا " فصار كذلك تفيد الانتقال من حال اللى حال.نحو:"صار زيد غنيا " أي انتقل من حال إلى هذه الحال. كما استعملوا جاء في معنى صار في قولهم: ط ما جاءت حاجتك"؛ لان "جاء" تفيد الحركة والانتقال كما كانت "صار"كذلك. (1)

أما الدكتور السامرائي فانه يرى أنها ليست بمعنى "صار".يقول:" لو انك أبدلت ""بصار" كان" ما سدت مسدها , ولم تجد المعنى كما كان. فان الصيرورة تقتضي الوقت الطويل. تقول:"كان محمد سمينا، وهذا بخلاف "كان" فأنها تطوي الزمن. فقوله:"فكانت أبوابا" أي كان هذا شانها في الماضي وكان هذا هو وجودها. ونحوه:" وبست الجبال بسّا فكانت هباء منبثا" كأن حالها الجديدة حاصلة قبل النظر والمشاهدة وكأنها هي منذ القدم. (2).

وتقع زائدة في الكلام، ولا يقصد بالزيادة أنها دون معنى، بل إنها لم يؤتها بها للإسناد، وشرط زيادتها أن تكون بلفظ الماضي، وان تكون بين شيئين متلازمين ليسا جارا ومجرورا، نحو:"ما كان أحسن زبداً"، فزيدت (كان) بين (ما) وفعل التعجب. جاء في الكتاب:"وتقول ما كان أحسن زيداً فتذكر كان لتدل أنه في ما مضى" (3)

يقول ابن يعيش:" وحق الزائدة أن لا يكون عاملا , ولا معمولا، ولا يُحدث معنى سوى التوكيد. ويؤيد ذلك قول لائمة في قوله تعالى:" كيف نكلم من كان في المهد صبيا " (مريم28) أنّ"كان" في الآية زائدة , وليست الناقصة ,إذ لو كان ت الناقصة لأفادت الزمان. ولو أفادت الزمان ,لم يكن لعيسى عليه السلام معجزة؛لان الناس كلهم في ذلك سواء. فلو كانت الزائدة تفيد معنى الزمان، لكانت كالناقصة , ولم يكن للعدول إلى جعلها زائدة فائدة. (4)

طور بواسطة نورين ميديا © 2015